تكشف أعمال تنقيب أثرية في موقع «غيرد-إي كازهاو» بإقليم كردستان العراق عن قصة منسية للتعايش الديني في قلب بلاد الرافدين، حيث تشير الأدلة إلى أن المسيحيين والزرادشتيين، أتباع الديانة الفارسية القديمة، عاشوا جنبًا إلى جنب قبل نحو 1500 عام.
قاد فريق بحثي ألماني، على مدار عدة مواسم تنقيب قرب منطقة بستنسور، دراسة معمارية وأثرية ربطت بين مبنى غامض ومقابر لاحقة، موثقًا تحولات اجتماعية ودينية امتدت عبر قرون.
ولا يزال نبع مائي كبير يغذي الأراضي الزراعية في المنطقة حتى اليوم، وهو ما يرجح أنه دعم الاستيطان البشري عندما كانت الإمبراطوريات تسيطر على سهل شهرزور.
أشرف على الدراسة الدكتور ألكسندر تام من جامعة فريدريش ألكسندر في إرلانجن-نورنبيرغ (FAU)، المتخصص في دراسة المستوطنات الريفية والعمارة المسيحية المبكرة.
وعلى مدار ثلاث سنوات، عمل الفريق على تتبع المجمع المعماري والمقابر المجاورة باعتبارها سجلًا واحدًا لاستخدام مشترك للمكان.
الحكم الساساني وإدارة الأقاليم
خضعت المنطقة في تلك الفترة لسيطرة الإمبراطورية الساسانية، التي حكمت أجزاء واسعة من العراق وإيران قبل ظهور الإسلام.
وقد اعتمدت هذه الإمبراطورية على فرض الضرائب على المزارع وتأمين الطرق عبر القلاع ومحطات التوقف، ما سمح بانتقال الجنود والإمدادات وربط القرى النائية بالمراكز الملكية.
ورغم ما فرضه هذا النظام من ضغوط سياسية وإدارية، تشير الأدلة الأثرية إلى أنه أتاح في الوقت نفسه مساحة لمجتمعات محلية تمارس ديانات مختلفة دون صدامات واضحة.
أسباب الاستيطان المسيحي
دعمت طرق التجارة والبلدات الزراعية انتشار التجمعات المسيحية في أنحاء بلاد الرافدين، حتى في ظل مراقبة البلاط الفارسي لها بعين الشك.
وتُظهر الأدلة من العراق وجود كنائس ذات ثلاثة أروقة مبنية من الطوب والطين، وهو نمط معماري يتوافق مع توزيع الأعمدة المكتشفة في كازهاو.
ونظرًا لندرة بقاء هذه المباني بحالة سليمة، يعتمد علماء الآثار على الجمع بين الأدلة المعمارية واللقى الأثرية وآثار الاضطرابات اللاحقة للوصول إلى استنتاجات دقيقة.
قراءة الأعمدة والجص
تُعد الأعمدة الحجرية المربعة مؤشرًا على طبيعة المبنى الخاصة، إذ إن المنازل العادية في المنطقة لم تكن تحتاج إلى هذا النوع من الدعم الإنشائي.
كما عُثر على آثار من الجبس الأبيض المستخدم في التكسية، ما يوحي بأن المكان كان يتمتع بعناية معمارية داخلية.
وقد أثارت هذه المؤشرات سؤالًا محوريًا منذ بدء التنقيبات عام 2015: هل كان هذا المجمع ديرًا مسيحيًا أم منشأة ذات وظيفة أخرى؟
الفخار ودلالاته الدينية
لعب الفخار دورًا مهمًا في تحديد هوية المستخدمين، إذ انتقلت الأواني اليومية مع الناس وحملت رموزًا تشير إلى صانعيها أو مستخدميها.
وعُثر في كازهاو على شظايا فخارية تحمل صلبانًا مختومة، ما يعزز فرضية الاستخدام المسيحي للموقع، حتى مع تبادل السلع بين الأسر.
كما كشفت التنقيبات عن تل ثانٍ قريب يضم بقايا حصن صغير تعلوه مقابر إسلامية لاحقة، في إشارة إلى إعادة استخدام الموقع المرتفع دون اعتبار للبناء الأقدم تحته.
المقابر وتحولات العقيدة
تعكس عادات الدفن التحولات الدينية التي تمر بها المجتمعات، وتوفر المقابر سجلًا ماديًا لهذه التغيرات.
واعتمد الباحثون على دراسات أنثروبولوجية جنائية لتحليل العظام، وتقدير الأعمار، ورصد الإصابات القديمة.
ورغم أن هذه البيانات لا تحدد بدقة توقيت التحول إلى الإسلام، فإنها توضح تعاقب الجماعات البشرية التي عاشت في المنطقة عبر الفترات المختلفة.
التعايش الديني في كازهاو
نادراً ما تترك فترات التعايش السلمي سجلات مكتوبة واضحة، لذلك يعتمد علماء الآثار على أنماط المباني والأدوات وعادات الدفن.
وعندما تظهر دلائل ممارسة مسيحية قرب حصن ساساني، فإن التفسير الأبسط يشير إلى تواصل يومي دون عنف ظاهر.
وتبرز هذه الاكتشافات أهمية الحياة الريفية البعيدة عن العواصم الكبرى، والتي تعكس واقع غالبية السكان في العصور القديمة.
دروس من الموقع الأثري
تؤكد نتائج التنقيب في «غيرد-إي كازهاو» أن التعايش بين أتباع الديانات المختلفة كان ممكنًا في أماكن عادية، بعيدًا عن مراكز السلطة.
ومع أن الأبحاث المستقبلية قد تعيد ضبط التسلسل الزمني بدقة أكبر، فإن الرسالة الأساسية تبقى واضحة: السلام والتعايش ليسا استثناءً في التاريخ، بل كانا جزءًا من الحياة اليومية في كثير من الأحيان.





