ارتفاع حرارة البحار وتراجع الثلوج.. مؤشرات خطيرة على تسارع التغير المناخي في أوروبا

موجة حر قياسية تضرب أوروبا.. 95% من القارة تحت وطأة درجات حرارة غير مسبوقة

كشف تقرير علمي حديث أن موجة الحر الشديدة التي اجتاحت دول الشمال الأوروبي، ودفعت درجات الحرارة إلى تجاوز 30 درجة مئوية داخل الدائرة القطبية الشمالية خلال يوليو الماضي، لم تكن حدثًا استثنائيًا، بل جزءًا من عام قياسي غير مسبوق شهد ارتفاعًا حادًا في درجات الحرارة غطّى أكثر من 95% من قارة أوروبا.

وأوضح التقرير، الصادر عن برنامج كوبرنيكوس التابع للاتحاد الأوروبي بالتعاون مع المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، أن القارة الأوروبية تُعد الأسرع احترارًا على مستوى العالم، حيث ترتفع درجات الحرارة فيها بمعدل 0.56 درجة مئوية لكل عقد منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، وهو معدل يفوق جميع القارات الأخرى.

موجات حر غير مسبوقة في الشمال


شهدت دول إسكندنافيا، التي تُعرف بطقسها المعتدل، نحو 21 يومًا من الحرارة الشديدة، رافقتها ظاهرة “الليالي الاستوائية”، حيث لا تنخفض درجات الحرارة ليلًا بشكل ملحوظ، وهو أمر غير معتاد في دول مثل النرويج والسويد وفنلندا.

كما سجلت مناطق داخل الدائرة القطبية الشمالية درجات حرارة قياسية، ما يعكس تحولات مناخية عميقة تضرب النظم البيئية الباردة.

نبؤات درجات الحرارة لأوروبا والبحر الأبيض المتوسط

البحار تسجل أعلى حرارة في التاريخ

أظهرت البيانات أن درجات حرارة سطح البحار في أوروبا بلغت أعلى مستوياتها على الإطلاق، في استمرار لسلسلة من الأرقام القياسية امتدت لأربع سنوات متتالية.

وشهدت نحو 86% من المسطحات البحرية الأوروبية موجات حر بحرية “قوية”، بينما تعرض 36% منها لظروف “شديدة” أو “قصوى”، ما يهدد الحياة البحرية ويؤثر على التوازن البيئي والاقتصادي، خاصة في قطاعات مثل الصيد والسياحة.

درجات حرارة سطح البحار في أوروبا بلغت أعلى مستوياتها على الإطلاق

تراجع الثلوج وذوبان الجليد

سجل الغطاء الثلجي في أوروبا انخفاضًا بنسبة 31%، فيما تراجعت كتلته بنسبة 45% مقارنة بالمتوسطات التاريخية، في مؤشر واضح على تسارع ذوبان الجليد.

وفي مناطق مثل سفالبارد، ارتفعت درجات الحرارة بمعدل يفوق المتوسط الأوروبي بثلاثة إلى أربعة أضعاف، بينما فقدت آيسلندا ثاني أكبر كتلة جليدية في تاريخها المسجل.

كما فقدت الصفيحة الجليدية في غرينلاند نحو 139 جيجا طن من الجليد خلال عام واحد فقط، ما أسهم في رفع مستوى سطح البحر عالميًا بنحو نصف مليمتر.

القارة العجوز تختنق بالحر.. أرقام صادمة تكشف تسارع الاحترار وتداعياته

حرائق مدمرة تلتهم القارة

ساهمت موجات الحر والجفاف في اندلاع حرائق غابات واسعة النطاق خلال عام 2025، التهمت أكثر من مليون هكتار من الأراضي، متجاوزة الرقم القياسي السابق المسجل في 2017.

وكانت شبه الجزيرة الإيبيرية الأكثر تضررًا، حيث أدى تتابع فصل رطب أعقبه صيف جاف إلى نمو كثيف للنباتات، تحولت لاحقًا إلى وقود سريع الاشتعال مع ارتفاع درجات الحرارة.

وفي إسبانيا، دفع رجال إطفاء متطوعون حياتهم ثمنًا لمحاولاتهم احتواء النيران، في مشاهد تعكس خطورة الوضع، حيث مثلت المساحات المحترقة هناك نحو 38% من إجمالي الحرائق في أوروبا.

فجوة بين التعهدات والواقع

رغم تعهد قادة العالم في اتفاق باريس للمناخ عام 2015 بالحد من ارتفاع درجة حرارة الأرض عند 1.5 درجة مئوية، تشير البيانات إلى أن الاحترار العالمي تجاوز بالفعل 1.3 درجة، ما يجعل تحقيق الهدف أكثر صعوبة.

ويرى خبراء أن الحفاظ على هذا الهدف بات يتطلب ليس فقط خفض الانبعاثات، بل أيضًا إزالة كميات ضخمة من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي.

وفي هذا السياق، حذرت قيادات مناخية من أن مستويات الغازات الدفيئة القياسية تجعل من شبه المستحيل تجنب تجاوز مؤقت لهذا الحد، مع ضرورة تقليص مدته وتأثيره قدر الإمكان.

أوروبا شهدت حرارة قياسية، مع ارتفاع غير مسبوق لحرارة البحار

دعوات عاجلة للتحرك والتكيف

دعا خبراء إلى اتخاذ إجراءات عاجلة تشمل خفض الانبعاثات بشكل جذري، وتعزيز سياسات التكيف مع التغير المناخي، مثل إعادة تصميم المدن لتقليل الإسفلت وزيادة المساحات الخضراء، وتحسين أنظمة الإنذار المبكر، وتعزيز الوعي المجتمعي بمخاطر موجات الحر.

كما شددوا على ضرورة دمج اعتبارات المخاطر المناخية في جميع السياسات الاقتصادية، وزيادة الاستثمارات في البنية التحتية القادرة على الصمود أمام الظواهر المناخية المتطرفة.

ويؤكد التقرير أن ما تشهده أوروبا اليوم ليس مجرد ظواهر مناخية عابرة، بل مؤشرات واضحة على مرحلة جديدة من التغير المناخي، تتطلب استجابة سريعة وشاملة قبل أن تتحول إلى أزمة يصعب احتواؤها.

Exit mobile version