احتجاز الكربون.. حل عبقري أم طوق نجاة لصناعة الوقود؟
العلم في مواجهة المناخ.. كيف تساعد تقنيات الكربون في إنقاذ الأرض؟
لطالما دار الجدل حول أساليب احتجاز الكربون وتخزينه، إذ يرى الكثيرون أنها مجرد طوق نجاة لصناعة الوقود الأحفوري للاستمرار في الإضرار بالبيئة.
إلا أن البعض الآخر يعتبرها استراتيجية فعّالة لمكافحة أزمة تغير المناخ المتفاقمة.
وفي حين يتطلب التقدم الهادف انتقالًا ملتزمًا من مصادر الطاقة غير المتجددة، فإن التطورات في تقنيات احتجاز الكربون تبشر بحل شامل، ومع ذلك، من الضروري موازنة هذه الإمكانات مع القيود والعوائق العديدة التي تواجهها.
الحالة الراهنة لتكنولوجيا احتجاز الكربون
تُعد الأنشطة البشرية والانبعاثات المرتبطة بها من غازات الاحتباس الحراري من العوامل الرئيسية المسببة لتغير المناخ العالمي.
ووفقًا لبيانات منصة Climate Watch، تتحمل عشر دول فقط مسؤولية نحو 60% من هذه الانبعاثات، ويشكل قطاع الطاقة وحده ثلاثة أرباعها.
تهدف تقنيات احتجاز الكربون وتخزينه إلى معالجة هذه الانبعاثات من خلال استخراج ثاني أكسيد الكربون مباشرة من الغلاف الجوي أو من مصدر آخر، ثم تخزينه تحت الأرض أو تحويله لاستخدامات مستقبلية مثل إنتاج الخرسانة أو الوقود.

وتشمل أبرز طرق احتجاز ثاني أكسيد الكربون الحديثة ما يلي:
– الاحتراق المسبق: يتم فيه تحويل الوقود إلى مزيج من الكربون والماء باستخدام عمليات إعادة التشكيل أو التغويز، بدلاً من احتراقه بالكامل.
– ما بعد الاحتراق: تعتمد هذه الطريقة على إزالة ثاني أكسيد الكربون من غازات المداخن بعد معالجتها من الملوثات.
– الاحتراق الأكسجيني: تتضمن هذه التقنية حرق الوقود في بيئة تحتوي على أكثر من 95% من الأكسجين النقي، لإنتاج تيار مركّز من ثاني أكسيد الكربون، وهي أكثر فعالية من حيث الكلفة والبساطة.
يعتمد اختيار الطريقة المثلى على نوع الوقود، ودرجة نقاء ثاني أكسيد الكربون المطلوبة، ومدى توافر البنية التحتية. كما يجب على الصناعات مراعاة الجوانب التكنولوجية والاقتصادية لتحديد النهج الأنسب.
استخدام وتخزين الكربون
تتوزع تقنيات احتجاز الكربون بين الاستخدام والتخزين، على سبيل المثال، يمكن عزل ثاني أكسيد الكربون من المنشآت الصناعية الكبرى مثل محطات الفحم ومصافي النفط والمصانع، أو استخلاصه مباشرة من الهواء.
ويُخزّن الغاز عادة في خزانات النفط والغاز الفارغة، أو في التكوينات الملحية العميقة، أو في طبقات الفحم غير القابلة للتعدين، بهدف منع تسربه إلى الغلاف الجوي.
حاليًا، تدعم وزارة الطاقة الأمريكية ومكتب الطاقة الأحفورية والمختبر الوطني لتكنولوجيا الطاقة العديد من المشاريع البحثية لاختبار فعالية هذا التخزين.
وقد أُنجزت دراسات واسعة النطاق في هذا المجال، وتوجد مشاريع مشابهة قيد التنفيذ في دول مثل كندا، والنرويج، والصين، وأستراليا.

45 دولة تطور مشاريع لاحتجاز واستخدام الكربون
ووفقًا لوكالة الطاقة الدولية، فإن 45 دولة تعمل على تطوير مشاريع لاحتجاز واستخدام الكربون (CCU) أو احتجازه وتخزينه (CCS) وإذا اكتملت جميع المشاريع، فإنها ستتمكن من التقاط 400 مليون طن متري من ثاني أكسيد الكربون سنويًا بحلول عام 2030، أي ما يفوق ثمانية أضعاف القدرة الحالية.
لكن حتى يونيو 2023، لم يكن هناك سوى 20 مشروعًا فقط قيد الإنشاء.
وتستخدم بعض الصناعات ثاني أكسيد الكربون في تطبيقات أخرى، مثل زيادة إنتاج النفط عبر حقنه في الآبار، أو في كربنة الأغذية والمشروبات، أو لإنتاج الوقود والمواد الكيميائية ومواد البناء.
ووفقًا للباحث منغوي تشاو، فإن هذه التقنية قد تُطيل عمر الآبار النفطية إلى 84 عامًا.
التكامل مع أنظمة الطاقة المتجددة
يُعد قطاع الطاقة المتجددة من أسرع الأسواق نموًا، ويتوقع أن يصل حجمه إلى 259 مليار دولار بحلول عام 2025 و1.8 تريليون دولار بحلول عام 2027.
وقد ارتفعت نسبة الكهرباء المولدة من الطاقة المتجددة من 20% في عام 2011 إلى 29% في عام 2021، مقابل تراجع استخدام الوقود الأحفوري من 68% إلى 62%.
يمكن دمج تقنيات احتجاز الكربون مع مصادر الطاقة النظيفة لتقليل الأثر الكربوني. وعلى الرغم من صعوبة الاعتماد الكامل على الطاقة المتجددة بسبب تذبذب الإمدادات، فإن تطورات تقنيات تخزين الطاقة قد تُساعد في توفير طاقة مستقرة لعزل الكربون.
وفي دراسة بحثية استخدم فيها العلماء الطاقة المتجددة مع تقنية CCU لإنتاج وقود مستدام، حقق النظام كفاءة طاقية وصلت إلى 60%، مع انبعاثات شبه معدومة لثاني أكسيد الكربون، ما أدى إلى انبعاثات سالبة للغازات الدفيئة.
ورغم التحديات المرتبطة بتوسيع نطاق هذا الحل، إلا أن النتائج أظهرت إمكانات واعدة.

الاعتبارات الاقتصادية والسياسية
تعتمد الجدوى الاقتصادية لتقنيات احتجاز الكربون على تكاليف البناء والتشغيل وسعر إزالة كل طن من ثاني أكسيد الكربون.
وتُقدّر تكلفة التقاط الكربون وتخزينه ما بين 15 إلى 130 دولارًا للطن المتري، في حين تتراوح تكلفة التقاطه مباشرة من الهواء بين 100 إلى 345 دولارًا.
تدرك الدول أهمية إزالة الكربون، مما يدفعها إلى التعاون لتطوير حلول مناسبة، فعلى سبيل المثال، ترسم استراتيجية الاتحاد الأوروبي لإدارة الكربون الصناعي مسارات تمويل واستثمار ضخمة.
وتلعب الاتفاقيات الثنائية دورًا مهمًا في دعم الأمن المناخي والطاقة عبر احتجاز الكربون.
وبإمكان الحكومات أيضًا دعم التقنيات من خلال فرض لوائح وتشريعات، ومنح اعتمادات ضريبية، وتسعير الكربون، لتشجيع الصناعات على تبني هذه الحلول.
التأثيرات البيئية والاستدامة
على الرغم من أهدافها البيئية، فإن تقنيات احتجاز الكربون ما زالت بحاجة إلى تحسينات لتحقيق الاستدامة المثلى، فعلى سبيل المثال، يؤدي دمج التقنية في محطات الفحم إلى زيادة استهلاك المياه بنسبة 55%، وتقليل الكفاءة بنسبة تصل إلى 45%.
كما تُنتج عمليات الالتقاط والنقل انبعاثات ثانوية، إلى جانب خطر تسرب ثاني أكسيد الكربون المخزَّن.
وتُشير الدراسات إلى أن السيناريو الأسوأ قد يؤدي إلى زيادة في درجة الاحتباس الحراري بنسبة 16%.
ويتطلب تخفيف هذه الآثار الاستفادة من التجارب السابقة وتطوير التكنولوجيا لإدارة المخاطر المستقبلية بفعالية أكبر.
تنظيف فوضى البشرية عبر احتجاز الكربون
ليست تقنيات احتجاز الكربون حلاً سحريًا، لكنها تُعد أداة أساسية في المعركة ضد تغير المناخ.
إن تحقيق مستقبل بيئي أكثر أمنًا يستوجب من الباحثين تسريع الابتكار وتحسين الأداء، حتى تؤتي هذه الحلول ثمارها على نطاق واسع.





