ابتكر فريق من الباحثين في جامعة تكساس أيه آند إم بطارية جديدة مصنوعة بالكامل من مواد طبيعية قابلة للتحلل الحيوي، في خطوة قد تمثل بديلاً مستدامًا وصديقًا للبيئة لبطاريات الليثيوم أيون التقليدية. المثير أن هذه البطارية تعتمد على مكونات موجودة في جسم الإنسان، مثل فيتامين B2 (الريبوفلافين) والأحماض الأمينية، لدرجة أنها قد تكون قابلة للأكل وآمنة على الصحة.
15 عامًا من البحث العلمي
قادت البروفيسورة كارين وولي، أستاذة الكيمياء المتميزة في كلية الآداب والعلوم، بالتعاون مع البروفيسور جودي لوتكنهاوس من قسم الهندسة الكيميائية، فريق البحث الذي استغرق أكثر من 15 عامًا في تطوير البوليمرات الحيوية اللازمة. وتم نشر نتائج الدراسة في دورية Proceedings of the National Academy of Sciences.
وتقول لوتكنهاوس:
“كنا دائمًا مهتمين بمواد بطاريات أكثر أمانًا ومرونة. ومع دخول مختبر وولي في مجال البوليمرات الطبيعية، أصبح لدينا فرصة لابتكار شيء مختلف تمامًا، بطارية تؤدي وظيفتها وتتحلل بأمان عند انتهاء عمرها”.
من فيتامين B2 إلى سلاسل البولي ببتيد
الابتكار قام به الباحث شايه-غو لي خلال دراسته لنيل الدكتوراه، حيث ابتكر طرقًا جديدة لربط المكونات الحيوية في سلاسل جزيئية تُعرف بـ”البولي ببتيدات”.
ويتميّز هذا البوليمر بكونه نشطًا كهروكيميائيًا (Redox-active)، أي قادرًا على فقد واكتساب الإلكترونات، وهي الخاصية الأساسية لتخزين وإطلاق الطاقة في البطاريات.
في هذا النظام، يقوم الريبوفلافين بتخزين الطاقة، بينما تمنح سلاسل البولي ببتيد البنية الميكانيكية وتسمح بتحلل المادة طبيعيًا.

بديل صديق للبيئة
على عكس بطاريات الليثيوم أيون التي تعتمد على المعادن الثقيلة والبتروكيماويات، يتميز هذا الابتكار بأنه مصنوع من موارد بيولوجية متجددة، قابلة للتحلل عند تعرضها للماء أو الإنزيمات.
وتوضح وولي:
“حتى في حال لم يتم جمع البطاريات لإعادة التدوير، يمكن لهذه المواد أن تتحلل طبيعيًا دون إطلاق منتجات سامة”.
نتائج واعدة في المختبر
أظهرت التجارب أن المادة الجديدة صالحة للاستخدام كـ”أنود” (القطب السالب) داخل البطارية، كما أثبتت أنها غير سامة للخلايا الليفية الموجودة في الأنسجة الضامة، وهو ما يفتح الباب أمام استخدامها في الأجهزة الطبية القابلة للزرع أو الأجهزة القابلة للارتداء.
وتقول وولي:
“لقد أكدنا أن المواد غير ضارة بالخلايا، وهو أمر مهم في حال استخدامها مستقبلاً داخل الجسم البشري”.
بينما تضيف لوتكنهاوس: “ما أسعدنا هو أن الأداء الكهروكيميائي كان مماثلاً للمواد الاصطناعية غير المستدامة. لقد أثبتنا أن الاستدامة لا تعني التضحية بالكفاءة”.

نحو اقتصاد دائري
يرى الفريق البحثي أن هذه التقنية تمثل خطوة نحو مفهوم الاقتصاد الدائري، حيث تُصمم المواد منذ البداية لتكون قابلة لإعادة الاستخدام أو التحلل الآمن.
وتعلق وولي:
“أفكر في كل مادة نصنعها على أنها جزء من رحلة، يمكن أن تؤدي وظيفتها ثم تتحول إلى مكونات يعاد استخدامها بطرق أخرى. وفي أقصى الحالات، يمكن للبطارية أن تصبح صالحة للأكل لتمنح نوعًا آخر من الطاقة”.
التحديات المقبلة
رغم النتائج المشجعة، لا يزال أمام الفريق تحديات تتعلق بتحسين الأداء وخفض تكلفة الإنتاج. إذ إن العملية الكيميائية المستخدمة حاليًا في تصنيع البوليمر الحيوي ما تزال باهظة الثمن، وقد يستغرق الأمر 5 إلى 10 سنوات قبل أن تصبح هذه البطاريات متاحة تجاريًا.
وتقول وولي:
“نحتاج إلى تحسين الأداء أولاً، ثم تطوير عمليات إنتاج مربحة على نطاق صناعي”.
ثمرة تعاون بين التخصصات
يؤكد الباحثون أن ما يميز المشروع هو التعاون بين الكيمياء والهندسة، حيث تقول وولي:
“كانت لحظة مثيرة بالنسبة لي ككيميائية عندما أثبت مختبر لوتكنهاوس أن المواد الجديدة يمكن تحويلها إلى بطاريات عملية. لقد كان ذلك تأكيدًا على أن استراتيجيتنا واعدة”.
وتضيف لوتكنهاوس: “رؤية المواد وهي تعمل داخل بطارية حقيقية كانت إنجازًا مهمًا، ومنحتنا اتجاهًا واضحًا للتطوير المستقبلي”.





