الحكومة تدرس إنشاء صندوق عقاري لاستثمار أصول المجتمعات العمرانية.. والملكية الجزئية تفتح أبواب السوق أمام صغار المستثمرين
من أصول الدولة إلى حصص الأفراد.. نماذج جديدة تعيد تشكيل الاستثمار العقاري.. منصة «SAFE» تتيح الاستثمار بدءًا من 5 آلاف جنيه
تدرس الحكومة إنشاء صندوق للاستثمار العقاري يستهدف تعظيم الاستفادة الاقتصادية من الأصول التابعة لهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، في خطوة تستهدف تنويع مصادر التمويل والسيولة، وجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية، وتعزيز العوائد المتحققة من الأصول العقارية العامة.
وتأتي هذه الخطوة في وقت تتوسع فيه السوق المصرية في اختبار نماذج جديدة للاستثمار العقاري، من بينها الملكية الجزئية التي تتيح للأفراد امتلاك حصص في عقارات مدرة للدخل بمبالغ أقل بكثير من تكلفة شراء وحدة أو عقار كامل، كما في منصة «SAFE Investments» التابعة لشركة مدينة مصر.
وبينما لا يزال الصندوق الحكومي المقترح في مرحلة الدراسة، تعكس المبادرتان اتجاهًا نحو البحث عن آليات أكثر تنوعًا لتوظيف الأصول العقارية، وتحويلها إلى مصادر للتدفقات النقدية والتمويل، بدلًا من الاقتصار على بيع الأصول أو الاعتماد على التمويل التقليدي.
صندوق عقاري لتعظيم العائد من أصول الدولة
بحسب بيان وزارة الإسكان بحثت راندة المنشاوي، وزيرة الإسكان، سبل تعظيم الاستفادة الاقتصادية والاستثمارية من الأصول العقارية التابعة لهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة.
ومن المقترحات إنشاء صندوق للاستثمار العقاري يستهدف تكوين محفظة متنوعة وقابلة للنمو، وجذب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية، وتوفير مصادر جديدة للسيولة والتمويل، إلى جانب دعم استدامة الإيرادات المخصصة للمشروعات التنموية والعمرانية.
وأكدت الوزيرة أهمية دراسة نماذج استثمارية مختلفة، مع مراعاة طبيعة كل أصل وإمكاناته وفرص تطويره، بما يرفع قيمته الاقتصادية ويعزز كفاءة إدارته.
ولم يتضمن البيان المعلن تفاصيل نهائية بشأن حجم الصندوق المقترح أو هيكله القانوني، أو الأصول التي قد تدخل ضمن محفظته، أو آلية مشاركة المستثمرين، كما لم يعلن عن موعد لإطلاقه، ومن ثم، فإن المقترح يمثل توجهًا قيد الدراسة، وليس صندوقًا بدأ بالفعل في تلقي الاستثمارات.
كيف يمكن للصندوق العقاري توفير السيولة؟
تقوم الفكرة الأساسية لصناديق الاستثمار العقاري على تجميع أصول أو استثمارات عقارية ضمن هيكل استثماري يتيح إدارتها وتطويرها وتحقيق عوائد منها وفقًا لطبيعة الصندوق والقواعد المنظمة له.
وفي حالة أصول هيئة المجتمعات العمرانية، يمكن أن يتيح النموذج الاستثماري المناسب، بحسب الأصول التي ستُختار والهيكل الذي سيُعتمد، الاستفادة من الأراضي والعقارات والمشروعات القابلة للتطوير أو التأجير أو التشغيل، بما يحقق إيرادات مستمرة أو يرفع القيمة الاستثمارية للأصول.
وقد يساعد هذا النهج على تنويع مصادر تمويل مشروعات المدن الجديدة، وتخفيف الاعتماد على التمويل التقليدي، مع إتاحة فرص أمام مستثمرين مؤسسيين ومحليين وأجانب للمشاركة في مشروعات عقارية محددة.
لكن نجاح أي نموذج من هذا النوع يتوقف على مجموعة من العوامل، من بينها التقييم المستقل والشفاف للأصول، واختيار المشروعات القادرة على توليد عوائد، وتحديد حقوق الدولة والمستثمرين، ووضوح قواعد الإدارة والإفصاح، والرقابة على استخدام الإيرادات.
كما أن نقل الأصول إلى هيكل استثماري لا يضمن تلقائيًا تحقيق عوائد أعلى؛ إذ تتوقف النتائج على شروط الاستثمار وتكاليف التطوير والتشغيل والطلب الفعلي في السوق.
«SAFE».. استثمار عقاري يبدأ من 5 آلاف جنيه
على مستوى القطاع الخاص، أعلنت شركة «مدينة مصر» إطلاق مرحلة جديدة من منصة «SAFE Investments»، التي تعتمد على إتاحة الاستثمار في حصص من أصول عقارية بدلًا من اشتراط شراء عقار كامل.
وقال عبد الله سلام، الرئيس التنفيذي للشركة، إن المنصة تستهدف توسيع قاعدة المستثمرين وإتاحة الدخول إلى السوق العقارية بمبالغ تبدأ من 5 آلاف جنيه.
ووفقًا لتصريحات سلام، يقوم النموذج على تمكين عدد من المستثمرين من امتلاك حصص في أصل عقاري واحد، مع إتاحة الاطلاع على بيانات العقار وقيمته عبر التطبيق، والحصول على نصيب من الإيرادات الإيجارية بحسب نسبة الملكية.
وأشار إلى أن أحد نماذج الاستثمار المطروحة يعتمد على عقارات تجارية قائمة ومؤجرة لمستأجرين، بما يوفر تدفقات نقدية من الإيجار، إلى جانب احتمال ارتفاع قيمة الأصل مع مرور الوقت.
ويختلف هذا النموذج عن شراء وحدة سكنية تقليدية؛ إذ لا يحتاج المستثمر إلى تمويل ثمن العقار بالكامل أو إدارة الوحدة بنفسه، وإنما يعتمد على الهيكل القانوني والاستثماري للمنصة وطريقة إدارة الأصل وتوزيع الإيرادات.
فإن انخفاض الحد الأدنى للاستثمار لا يعني اختفاء المخاطر، كما أن امتلاك حصة في أصل عقاري لا يضمن تحقيق عائد محدد أو إمكانية بيع الحصة فورًا بالسعر نفسه الذي اشتُريت به.
عوائد إيجارية معلنة بين 10% و12%.. ما الذي ينبغي الانتباه إليه؟
قال سلام، إن متوسط العوائد الإيجارية السنوية للعقارات غير السكنية يتراوح عادة بين 10% و12%، بحسب عرضه للنموذج الاستثماري الذي توفره المنصة.
ويجب التعامل مع هذه النسبة بوصفها تقديرًا معلنًا من الشركة، وليس عائدًا مضمونًا لكل عقار أو استثمار. كما ينبغي التمييز بين العائد الإيجاري الإجمالي وصافي العائد الذي يصل إلى المستثمر بعد خصم رسوم الإدارة والتشغيل والصيانة والضرائب وأي مصروفات أخرى تنطبق على الأصل.
وتتأثر الإيرادات كذلك باستمرار المستأجرين في السداد، ومعدلات الإشغال، وشروط عقود الإيجار، وتكاليف صيانة العقار، وأوضاع السوق العقارية.
وتقول الشركة إن المستثمر يستطيع إعادة استثمار العوائد أو سحبها، كما تتيح المنصة، وفقًا لتصريحات رئيسها التنفيذي، شراء الحصص وبيعها من خلال التطبيق، غير أن السيولة الفعلية عند التخارج تعتمد على وجود مشترين، وشروط التداول، والسعر الذي يقبل به الطرفان.
هل تتفوق الملكية الجزئية على الشهادات البنكية؟
تختلف طبيعة الاستثمار العقاري عن الأوعية الادخارية المصرفية، ولا يمكن المقارنة بينهما على أساس العائد المعلن وحده.
فالشهادات البنكية توفر عائدًا وفقًا لشروط محددة مسبقًا، بينما يرتبط الاستثمار العقاري بإيرادات الإيجار والتغير في قيمة الأصل، ويتأثر بحالة السوق ومعدلات الإشغال وتكاليف التشغيل وإمكانية البيع.
ويرى سلام أن العقارات يمكن أن توفر وسيلة للتحوط من التضخم على المدى الطويل، لأن قيمتها وإيراداتها الإيجارية قد ترتفع مع ارتفاع الأسعار.
لكن ذلك ليس أمرًا مضمونًا في كل الظروف؛ فقد تتراجع القيمة السوقية أو تتباطأ الإيجارات، وقد تكون تكلفة التخارج مرتفعة أو يستغرق البيع وقتًا أطول من المتوقع.
لذلك، فإن تقييم أي فرصة استثمارية يحتاج إلى مقارنة صافي العائد المتوقع بمستوى المخاطر، ومدة الاستثمار، وإمكانية استرداد الأموال، والرسوم، والضمانات القانونية المتاحة.
سوق داخلية لتداول الحصص.. والسيولة ليست مضمونة
أشار سلام إلى أن «SAFE» توفر سوقًا داخلية لتداول الحصص بين المستثمرين، وقال إن الحصص المعروضة للبيع يجري تداولها عادة خلال فترة لا تتجاوز أسبوعين في المتوسط، وفقًا لتجربة المنصة التي عرضها.
لكن هذا التصريح لا يعني أن كل مستثمر سيتمكن من بيع حصته خلال أسبوعين في جميع الظروف. فسرعة التخارج تتأثر بحجم الطلب على الحصص، والسعر المطلوب، وعدد المشترين المتاحين، وشروط التداول التي تحددها المنصة.
كما أن سهولة تنفيذ المعاملات إلكترونيًا لا تلغي ضرورة التحقق من طبيعة الملكية المسجلة، والحقوق القانونية المرتبطة بالحصة، والجهة التي تحتفظ بالأصل وتديره، وآلية توزيع الإيرادات وتسوية النزاعات.
وأكد سلام، أن إيرادات المنصة تعتمد بصورة أساسية على رسوم إدارة وتشغيل الأصول والخدمات المرتبطة بها، وليس على المضاربة في العقارات، مشيرًا إلى أن نمو حجم الأصول وعدد المستثمرين يمكن أن يدعم مساهمتها في أعمال الشركة.
بين الأصول الحكومية والاستثمار الفردي.. اتجاه نحو تنويع التمويل العقاري
يعكس مقترح الصندوق الحكومي وتجربة الملكية الجزئية في القطاع الخاص مسارين مختلفين لتوسيع الاستفادة من العقارات كمصدر للاستثمار والتمويل.
فالصندوق الذي تدرسه الحكومة يستهدف توظيف أصول تابعة لهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة في إطار محفظة استثمارية يمكن أن تجذب رؤوس الأموال وتدعم تمويل المشروعات التنموية، بينما تستهدف منصة «SAFE» توسيع قاعدة الأفراد القادرين على الاستثمار في أصول عقارية مدرة للدخل بمبالغ محدودة نسبيًا.
ولا يعني ذلك أن النموذجين متطابقان؛ فهما يختلفان في ملكية الأصول والحوكمة والرقابة والحقوق الاستثمارية ومستوى المخاطر.
لكن كليهما يسلط الضوء على أهمية تنويع أدوات التمويل العقاري، وتحسين إدارة الأصول، وتطوير آليات تسمح بتحويل القيمة العقارية إلى عوائد وتدفقات نقدية.
ويبقى التحدي الأساسي هو ضمان أن تتم هذه الاستثمارات في إطار قانوني واضح، وتقييمات شفافة، وإفصاح كافٍ عن العوائد والتكاليف والمخاطر، بما يحمي حقوق المستثمرين ويعزز الثقة في السوق.
وبالنسبة إلى الصندوق الحكومي، ستتضح أهمية الخطوة بصورة أكبر عند الإعلان عن الأصول المستهدفة، والهيكل القانوني، وشروط دخول المستثمرين، وكيفية توجيه العوائد إلى مشروعات التنمية العمرانية.
أما بالنسبة إلى المستثمر الفردي، فإن القرار ينبغي أن يستند إلى بيانات كل عقار وشروط الاستثمار الفعلية، لا إلى العائد المعلن أو انخفاض الحد الأدنى للدخول وحدهما.





