أسرار كهف أصحاب الكهف.. قبور ومسجد قديم وطبيعة خلابة شرق عمّان
رحلة روحانية وتاريخية عبر الزمن والإيمان.. قصة قرآنية خالدة تجسد على أرض الأردن
عمّان: كتب مصطفى شعبان
حين تطأ قدماك أرض كهف أهل الكهف في الأردن، تشعر فورًا وكأنك انتقلت إلى فضاء آخر، حيث يتشابك عبق التاريخ مع الروحانية والطبيعة الساحرة.
هنا، يقف الزائر على عتبة قصة قرآنية خالدة، حكاها الزمن بصمت الصخور ووشوشة الرياح بين التلال، لتجمع بين التجربة الروحية والتاريخية والمغامرة الجغرافية في رحلة واحدة.
هنا يكمن “كهف أصحاب الكهف”، المكان الذي شهد قصة الفتية السبعة وكلبهم، الذين أماتهمهم إرادة الله 309 سنوات كما ذكر في القرآن الكريم: “أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبًا”.
ليس الكهف مجرد موقع أثري، بل رمزٌ للإيمان، وتجربةٌ حضارية واجتماعية تعكس احترام الأردن لتراثه وعنايته بالزائرين، بمن فيهم ذوو الاحتياجات الخاصة الذين يمكنهم التمتع بالزيارة عبر ممر مصمم خصيصًا لهم، اعترافًا بحقهم في المعرفة.

رحلة روحانية وعلمية وأخلاقية
زيارة كهف أصحاب الكهف تجربة تتجاوز مجرد السياحة أو التاريخ؛ إنها رحلة روحانية وعلمية وأخلاقية تعيد للزائر إحساسه بعظمة الإرث الإسلامي، واهتمام الأردن بالحفاظ على تاريخه، مع توفير تجربة متكاملة لكل فئات المجتمع، بما فيهم ذوو الاحتياجات الخاصة، لتصبح المعرفة حقًا للجميع.
الكهف يعكس تاريخًا طويلًا، إذ شهد تعديلات منذ العصر الروماني وحتى عهد صلاح الدين الأيوبي، مع بقايا أعمدة ومساجد وأدوات حجرية ونقوش تدل على اهتمام المسلمين الأوائل بهذا الموقع.
كما أن التربة والصخور المحيطة بالكهف تساعد على صيانة الجسم بشكل طبيعي، وتزين واجهة القبور أعمدة منحوتة وزخارف نباتية ورسومات هندسية.

الطريق المؤدي إلى الكهف في منطقة الرقيم شرق عمّان يمهد لهذه التجربة، فالتلال المتدرجة والصخور المنحنية بأشكال غريبة تضفي على المشهد إحساسًا بالغموض، بينما تتناثر أشعة الشمس لتخلق لوحات ضوئية على الصخور، وكأن الطبيعة نفسها تحتفل بهذه القصة الإيمانية العظيمة.
تم اكتشاف الكهف حديثًا في عام 1963 على يد الباحث رفيق وفا الدجاني ودائرة الآثار العامة، ويحتوي على سبعة قبور للفتية، وأمامها قبر الكلب، كما يشهد المبنى العلوي على مسجد صغير بقايا بُني على الموقع، مطابقًا لما ورد في القرآن الكريم: “قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذنّ عليهم مسجدا”.
يفتح الكهف على قاعة مركزية تتفرع منها ثلاثة محاريب، وتحتوي على هياكل أصحاب الكهف محفوظة خلف زجاج صغير للعرض، مع نقوش كوفية وعباسية ولاتينية تؤكد أصالة المكان.

رحلة عبر الزمن
من اللحظة الأولى التي تصل فيها إلى موقع الكهف، تشعر أن الزمن توقف، وأنك أمام لوحة حية من قصص العصور الغابرة.
كل حجر في الطريق يحكي عن صبر الفتية السبعة الذين لجأوا إلى هذا الملاذ الآمن، وكل شق صخري يهمس بصدى الأحداث التي صمدت عبر آلاف السنين.
عند مدخل الكهف، يأخذك المكان من واقعك اليومي إلى عالم من الأسرار والغموض. المدخل ضيق بعض الشيء، والظلام يغلفه، لكن روح المكان تمنحك شعورًا بالطمأنينة والسكينة.

مرشد وتجربة معرفية وأخلاقية للزائرين
داخل الكهف، يسود الصمت العميق، يتخلله فقط خفقان قلبك وصدى خطواتك على الأرضية الصخرية الباردة، حيث يمكن للزائر أن يتخيل رقود الفتية السبعة، متشبثين بإيمانهم وصبرهم، مختبئين عن أنظار العالم، حاملين قصتهم التي صمدت قرونًا طويلة.

لا يمكن مقارنة زيارة هذا الكهف بما قد يراه الزائر في المواقع الأثرية المصرية التقليدية؛ فالهدوء والنظافة وتنظيم المكان، وتوفر مرشد متخصص يحمل معرفة تاريخية وإسلامية عميقة، يجعل التجربة فريدة من نوعها.
المهندس محمود الحنيطي، مشرف الموقع من وزارة الأوقاف الأردنية، لا يقدم المعلومات فقط، بل يخلق تجربة معرفية وأخلاقية للزائرين، بعيدًا عن الضوضاء والباعة والمتسولين أو أي تشويش قد يعكر صفو الزيارة.

الموقع والجغرافيا
ما يميز الكهف في الأردن ليس فقط قيمته الدينية والتاريخية، بل أيضًا الموقع الجغرافي المذهل.
من فوق الصخور القديمة، تمتد أمام الزائر الجبال والأودية، وتنساب أشعة الشمس لتضيء الكهف بألوان ذهبية، كما لو الطبيعة نفسها تهدي المكان إشراقة تكريمًا للفتية الذين لجأوا إليه.

القصة القرآنية
يرتبط الكهف بالقصة القرآنية الشهيرة عن فتية الكهف الذين آمنوا بالله في زمن طغيان الحاكم، فرّوا بدينهم ولجأوا إلى الكهف ليحتموا من بطش قومهم، فأغشاهم الله نوماً طويلاً، كما ورد في القرآن الكريم: “ولَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا”.
أكد الداعية الأردني معتصم الحنيطي، أن الكهف في منطقة الرقيم هو نفسه المذكور في القرآن، مستعرضًا خمسة أدلة تاريخية وجغرافية تثبت صحة الموقع، من بينها اسم المنطقة، الفجوة التي نام فيها الفتية، عدد القبور السبعة، اتجاه الشمس، وبقايا المسجد الأثري المبني فوق الكهف.

المعالم الأثرية
الكهف يحتوي على غرفة واسعة تضم سبعة قبور حجرية منحوتة في الصخر، ويجاوره مسجد قديم من العصر الأموي، إضافة إلى بقايا أعمدة وزخارف حجرية وفسيفساء، ودليل على تعاقب الحضارات الرومانية والبيزنطية والإسلامية. كما توجد مقبرة بيزنطية تضم قبورًا وأضرحة تعكس عراقة التاريخ.

زيارة الكهف ليست مجرد رحلة سياحية، بل تجربة روحانية وتاريخية وجمالية في آن واحد.
الوقوف أمام الكهف يعني استحضار قصة إيمانية خالدة، والتأمل في قدرة الله وحفظه لعباده المؤمنين.

تجربة غنية بالمعرفة والفهم العميق للقصة القرآنية
الأردن لم يكتف بالحفاظ على الموقع، بل قام بإقامة معهد للدعوة وجامع قريب، مع تصميم ممرات لذوي الاحتياجات الخاصة، مؤكدًا احترام المكان لكل زائر.
كما أن إدارة الموقع تقدم معلومات دقيقة وتاريخية عن كل جزء في الكهف، بما في ذلك الفتحات، الأعمدة، الحجرات، والنقوش القديمة، لتصبح تجربة الزائر غنية بالمعرفة والفهم العميق للقصة القرآنية.






