أهم الموضوعاتأخبارصحة الكوكب

أسبوع واحد بعيدًا عن «فيسبوك» و«إنستجرام».. تحسن واضح في النوم والمزاج

عزل وسائل التواصل الاجتماعي لأسبوع يحسن النوم ويخفف القلق والاكتئاب لدى الشباب

قد يبدو الابتعاد عن وسائل التواصل الاجتماعي لمدة أسبوع وكأنه يعني ببساطة قضاء وقت أقل أمام الهاتف، لكن تجربة جديدة على الشباب كشفت مفارقة لافتة: الاستخدام الإجمالي للشاشة لم ينخفض تقريبًا، ومع ذلك تحسنت مؤشرات الاكتئاب والقلق والأرق.

فالشباب الذين ابتعدوا عن منصات مثل «فيسبوك» و«إنستجرام» و«سناب شات» و«تيك توك» و«إكس» لمدة أسبوع أبلغوا عن انخفاض واضح في أعراض الاكتئاب والقلق ومشكلات النوم، بينما أظهرت بيانات هواتفهم أنهم لم يتوقفوا عن استخدام الأجهزة، بل ارتفع إجمالي وقت الشاشة قليلًا.

وأجريت الدراسة بواسطة باحثين من مركز «Beth Israel Deaconess Medical Center» بالتعاون مع كلية الطب بجامعة هارفارد، وبدأ تسجيل المشاركين في مارس 2024 واستمر حتى العام التالي.

وصف الصورة المقترح:
شاب يستخدم هاتفًا ذكيًا في أجواء هادئة، مع تمثيل بصري لفكرة الابتعاد عن وسائل التواصل وتأثير ذلك في النوم والصحة النفسية.

417 شابًا بدأوا التجربة.. و295 اختاروا الابتعاد

ضم البحث في بدايته 417 أمريكيًا تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عامًا، وأكمل 373 منهم فترة خط الأساس التي استمرت أسبوعين.

بعد ذلك، سأل الباحثون المشاركين عما إذا كانوا مستعدين لقضاء أسبوع في تقليل استخدام وسائل التواصل الاجتماعي. وافق 295 شخصًا على المشاركة في فترة الابتعاد، بينما اختار الآخرون الاستمرار في استخدام المنصات.

وهنا تظهر نقطة مهمة في تفسير النتائج: الابتعاد عن وسائل التواصل لم يكن عشوائيًا، إذ اختار المشاركون بأنفسهم الدخول في هذه المرحلة من الدراسة.

الهواتف سجلت ما حدث بدلًا من الاعتماد على الذاكرة

اعتمدت دراسات كثيرة حول استخدام التكنولوجيا والصحة النفسية على سؤال الأشخاص عن عدد الساعات التي قضوها أمام الشاشات أو عن جودة نومهم بعد فترة من الزمن، وهو ما يترك مساحة كبيرة للتقدير غير الدقيق.

لكن الباحثين في هذه الدراسة حاولوا تقليل هذه المشكلة من خلال استخدام تطبيق على الهواتف لتسجيل وقت استخدام الشاشة والحركة والوقت الذي يقضيه المشاركون في المنزل.

كما أجاب المشاركون عن استبيانات قصيرة يومية لرصد حالتهم المزاجية في وقتها، بدلًا من مطالبتهم بتذكر ما شعروا به بعد أسابيع.

ويقود الدراسة الدكتور جون توروس، مدير قسم الطب النفسي الرقمي في مركز «Beth Israel Deaconess Medical Center».

ويُعرف هذا الأسلوب باسم «التنميط الرقمي» (Digital Phenotyping)، حيث تُستخدم البيانات التي تنتجها الأجهزة الرقمية للمساعدة في فهم أنماط السلوك والحالة النفسية.

الهواتف سجلت ما حدث بدلًا من الاعتماد على الذاكرة

استخدام وسائل التواصل انهار.. لكن وقت الشاشة لم يفعل

خلال أسبوع الابتعاد، انخفض الوقت الذي يقضيه المشاركون على وسائل التواصل الاجتماعي من نحو ساعتين يوميًا إلى حوالي 30 دقيقة فقط.

وكان الابتعاد عن «فيسبوك» و«إكس» أسهل نسبيًا، بينما بدت مقاومة «إنستجرام» و«سناب شات» أكثر صعوبة، وفقًا لما نقله الباحثون عن توروس.

لكن المفاجأة أن إجمالي وقت استخدام الهاتف لم ينخفض.

بل ارتفع قليلًا، كما ارتفع الوقت الذي قضاه المشاركون في منازلهم.

بمعنى آخر، لم يتحول المشاركون فجأة إلى ممارسة الرياضة في الهواء الطلق أو قضاء ساعات في أنشطة خارج المنزل؛ وإنما يبدو أنهم استبدلوا تطبيقات بأخرى.

ماذا تفعل على هاتفك، وكيف يؤثر ذلك في نومك ومزاجك وحياتك اليومية؟
ماذا تفعل على هاتفك، وكيف يؤثر ذلك في نومك ومزاجك وحياتك اليومية؟

انخفاض الاكتئاب بنسبة 24.8% خلال أسبوع

رغم استمرار استخدام الهواتف، تحسنت عدة مؤشرات للصحة النفسية.

وكان أكبر تحسن في أعراض الاكتئاب، إذ انخفضت درجات المشاركين على استبيان PHQ-9 بنسبة 24.8%.

كما انخفضت أعراض القلق بنسبة 16.1%، بينما تراجعت أعراض الأرق بنسبة 14.5%.

وكانت الفوائد أوضح بين الأشخاص الذين بدأوا الدراسة وهم يعانون بالفعل من أعراض نفسية، بينما مال المشاركون الذين لم تكن لديهم أعراض تُذكر في البداية إلى الحفاظ على مستوياتهم المنخفضة أصلًا.

وهذا يعني أن النتائج لا تشير إلى أن كل شاب سيشهد بالضرورة تحسنًا كبيرًا بعد أسبوع من الابتعاد عن وسائل التواصل، بل إن التأثير بدا أكثر وضوحًا لدى من كانوا يعانون من مشكلات في البداية.

هل المشكلة في «وقت الشاشة» أم في المحتوى؟

تفتح النتائج الباب أمام سؤال أوسع: هل الضرر المحتمل مرتبط بعدد الساعات التي نقضيها أمام الشاشة، أم بما نراه خلالها؟

وتنسجم هذه الفكرة مع أبحاث سابقة تناولت ظاهرة التصفح القهري للمحتوى السلبي أو المثير للقلق، والمعروفة باسم «doomscrolling».

الفكرة هنا أن الأشخاص الذين يعانون من مشكلات في الصحة النفسية قد يميلون إلى البحث عن محتوى سلبي، ثم يؤدي هذا المحتوى بدوره إلى زيادة سوء حالتهم المزاجية، لتستمر الحلقة في تغذية نفسها.

وتضيف الدراسة الجديدة احتمالًا مثيرًا للاهتمام: قد لا يكون تقليل إجمالي استخدام الهاتف وحده هو العامل الحاسم، وإنما التخلص من نوع معين من الاستخدام الرقمي.

ومع ذلك، لا تثبت الدراسة أن المحتوى السلبي هو السبب المباشر للتحسن؛ فهناك عوامل أخرى يمكن أن تكون قد ساهمت في النتائج.

الشاشات تضر بالصحة النفسية كلما زاد استخدامها».

الوحدة كانت الاستثناء الوحيد

رغم التحسن في الاكتئاب والقلق والأرق، لم تتغير مستويات الوحدة بصورة واضحة.

وظلت درجات المشاركين على مقياس الوحدة الخاص بجامعة كاليفورنيا مستقرة خلال فترة الابتعاد.

وهذه النتيجة منطقية من زاوية أخرى؛ فوسائل التواصل الاجتماعي قد تكون مصدرًا لمحتوى مزعج أو ضاغط، لكنها في الوقت نفسه تمثل قناة حقيقية للتواصل مع الأصدقاء والمجموعات الاجتماعية.

وبالتالي، فإن إيقافها قد يزيل بعض مصادر الضغط، لكنه قد يزيل أيضًا جزءًا من التواصل الاجتماعي.

وأشار توروس إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن تساعد بعض الأشخاص بالفعل في التعامل مع الشعور بالوحدة.

التأثير لم يكن متشابهًا لدى الجميع

من أهم ما تكشفه الدراسة أن المتوسطات العامة تخفي اختلافات كبيرة بين الأفراد.

فبعض المشاركين شعروا بتحسن كبير، بينما لم يلاحظ آخرون تغيرًا يُذكر، وهناك من بدأوا ممارسة الرياضة وقضاء وقت أطول خارج المنزل خلال فترة الابتعاد.

وقال توروس إن التفاوت الكبير في الاستجابات كان من أكثر الأمور التي لفتت انتباه الباحثين.

وهذا يضعف فكرة أن هناك وصفة رقمية واحدة تصلح للجميع.

فالشخص الذي يعاني من اضطراب في النوم بسبب استخدام الهاتف ليلًا قد يستفيد أكثر من خطة تستهدف النوم، بينما قد يحتاج شخص آخر إلى تقليل نوع معين من المحتوى أو تغيير نمط استخدامه للمنصات.

«الديتوكس الرقمي» قد يكون حلًا خشنًا أكثر من اللازم

مع تزايد النقاش حول استخدام الهواتف ووسائل التواصل بين الشباب، بدأت عدة ولايات أمريكية، بينها ماساتشوستس، في تطبيق أو بحث سياسات تتعلق باستخدام الهواتف في المدارس.

لكن الباحثين يرون أن النتائج لا تعني بالضرورة أن الحل هو منع التكنولوجيا أو وسائل التواصل بالكامل.

فإذا كانت المشكلة الأساسية لدى شخص ما هي اضطراب النوم، فقد يكون التدخل الأفضل هو معالجة نمط استخدام الهاتف المرتبط بالنوم، بدلًا من فرض «انقطاع رقمي» شامل.

ولهذا وصف توروس «الديتوكس الرقمي» بأنه أداة شديدة العمومية؛ إذ قد لا تكون مناسبة بنفس الدرجة لكل شخص.

أهم قيود الدراسة: المشاركون اختاروا بأنفسهم

رغم أهمية النتائج، توجد مجموعة من القيود يجب أخذها في الاعتبار قبل اعتبارها دليلًا حاسمًا على أن الابتعاد عن وسائل التواصل يسبب تحسنًا في الصحة النفسية.

أولًا، لم تكن فترة الابتعاد عشوائية؛ فقد اختار المشاركون بأنفسهم ما إذا كانوا يريدون الدخول فيها. وبالتالي، ربما كان الأشخاص الذين توقعوا الاستفادة من الابتعاد أكثر ميلًا للمشاركة.

كما شكلت النساء 277 من أصل 373 مشاركًا الذين أكملوا فترة خط الأساس، وهو ما قد يحد من إمكانية تعميم النتائج بالتساوي على جميع الشباب.

وحصل جميع المشاركين على 150 دولارًا مقابل مشاركتهم.

كذلك، لا تزال هناك أسئلة حول مدة استمرار التحسن. فالدراسة أثبتت ما حدث خلال فترة قصيرة، لكنها لا تجيب بعد عن سؤال أساسي: هل تستمر الفوائد بعد العودة إلى استخدام وسائل التواصل الاجتماعي؟

المرحلة المقبلة ستختبر السلوك وليس المشاعر فقط

يخطط الباحثون لمرحلة ثانية من المشروع لمعرفة ما إذا كانت الفوائد تستمر لأكثر من أسبوع، ولتجربة تدخلات أكثر تحديدًا بدلًا من الابتعاد الشامل.

وقد تتضمن هذه التدخلات خطة موجهة لتحسين النوم لشخص معين، أو تشجيعًا على ممارسة الرياضة لشخص آخر، بدلًا من تطبيق حل واحد على الجميع.

والسؤال الأهم في المرحلة المقبلة سيكون: هل يمكن تحويل التحسن الذي أبلغ عنه المشاركون إلى تغير مستمر في عادات استخدام الهاتف؟

فهذه الدراسة تقيس أساسًا الأعراض والتغيرات التي حدثت خلال فترة قصيرة، بينما يبقى تأثير التحذيرات أو القيود أو فترات الابتعاد على السلوك الرقمي طويل المدى بحاجة إلى اختبار مباشر.

البحث عبر الإنترنت عن معلومات تفيدك في رحلتك للاستدامة
الاستخدام اليومي للإنترنت قد يزيد مستويات التوتر بدلًا من تخفيفها

الخلاصة

تقدم الدراسة صورة أكثر تعقيدًا من فكرة أن «الشاشات تضر بالصحة النفسية كلما زاد استخدامها».

فالمشاركون قللوا استخدامهم لوسائل التواصل الاجتماعي بصورة كبيرة، لكنهم لم يقللوا إجمالي وقت الشاشة، ومع ذلك انخفضت لديهم أعراض الاكتئاب والقلق والأرق.

وهذا لا يعني أن الهاتف أو وقت الشاشة غير مهمين، ولا يثبت أن وسائل التواصل هي السبب المباشر لكل هذه الأعراض.

لكن النتائج تشير إلى احتمال مهم: قد يكون السؤال الأكثر فائدة ليس «كم من الوقت تستخدم هاتفك؟»، بل «ماذا تفعل على هاتفك، وكيف يؤثر ذلك في نومك ومزاجك وحياتك اليومية؟»

ونُشرت الدراسة كاملة في دورية JAMA Network Open.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة