30 دقيقة من المشي تكفي لتغيير نشاط الدماغ.. وهذه هي المفاجأة
ماذا يحدث للدماغ بعد نزهة سريعة؟ دراسة تكشف تأثيرًا غير متوقعش
قد يكون المشي السريع قادرًا على تغيير ما يحدث داخل الدماغ بعد جلسة واحدة فقط، لكن هذه التغيرات ليست بالبساطة التي قد توحي بها عبارة «تحسين نشاط الدماغ».
فنشاط الدماغ يمكن أن يتغير أيضًا لمجرد أن الشخص يكرر المهمة العقلية نفسها ويصبح أكثر ألفة معها، وهو ما يمثل تحديًا مهمًا أمام الدراسات التي تبحث في تأثير الرياضة على الدماغ.
ولمعرفة ما إذا كانت التغيرات التي تظهر بعد ممارسة الرياضة ناتجة بالفعل عن التمرين أم عن تكرار المهمة، أجرى فريق بحثي من المعهد الوطني للعلوم والتكنولوجيا الصناعية المتقدمة (AIST) في اليابان تجربة قارنت بين المشي والجلوس لدى مجموعتين من الشباب وكبار السن.
تكرار المهمة قد يحاكي تأثير الرياضة

ركز الباحثون على المرونة المعرفية، أي قدرة الإنسان على الانتقال من قاعدة أو طريقة تفكير إلى أخرى عندما يتغير الموقف.
وتعد المرونة المعرفية جزءًا من الوظائف التنفيذية، وهي مجموعة من القدرات العقلية التي تساعد الإنسان على التحكم في الانتباه وتنظيم السلوك وتنفيذ الأهداف.
وتشير الدراسة إلى أن تكرار المهمة العقلية يمكن أن يجعل الأشخاص أسرع في أدائها، كما يمكن أن يغير مقدار النشاط الذي يحتاج إليه الدماغ لإنجازها.
وبالتالي، إذا لم يأخذ الباحثون تأثير التدريب والممارسة في الاعتبار، فقد ينسبون بعض التغيرات في نشاط الدماغ خطأً إلى
ممارسة الرياضة.
المشي مقابل الجلوس
شملت التجربة 16 شخصًا من الشباب بمتوسط عمر بلغ 25 عامًا، و19 شخصًا من كبار السن بمتوسط عمر بلغ 62 عامًا.
وكان كبار السن المشاركون يتمتعون عمومًا بصحة جيدة، وخضعوا لفحوص للتأكد من عدم وجود عدد من الحالات الصحية الرئيسية.
وأجرى كل مشارك جلسة رياضية وأخرى للجلوس في يومين مختلفين، مع إجراء الزيارتين في التوقيت نفسه من اليوم، وبفاصل زمني لا يقل عن 48 ساعة.
وخلال جلسة الرياضة، بدأ المشاركون بإحماء لمدة خمس دقائق، ثم ساروا على جهاز المشي لمدة 30 دقيقة.
وضُبطت سرعة جهاز المشي ودرجة انحداره بحيث يظل معدل ضربات القلب عند نحو 50 إلى 70% من الحد الأقصى المتوقع لكل شخص وفقًا لعمره.
وسار الشباب بسرعة أكبر من كبار السن، لكن مستوى المجهود بالنسبة إلى الحد الأقصى المتوقع لمعدل ضربات القلب كان متقاربًا بين المجموعتين.
اختبار القدرة على تبديل القواعد داخل جهاز الرنين
قبل وبعد جلسة المشي أو الجلوس، أدى المشاركون مهمة عقلية داخل جهاز التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI).
ويستخدم هذا النوع من التصوير تغيرات الأكسجين في الدم المرتبطة بنشاط الدماغ، بهدف رصد المناطق التي تنشط أثناء أداء مهمة معينة.
وخلال الاختبار، شاهد المشاركون أشكالًا ملونة، وكان عليهم في بعض المرات الحكم على الشكل، وفي مرات أخرى تحديد اللون، بينما طُلب منهم أحيانًا الانتقال بسرعة بين القاعدتين.
وخضع كل مشارك لثلاث عمليات تصوير خلال كل زيارة: الأولى قبل الجلسة، والثانية بعد نحو 15 دقيقة من انتهائها، والثالثة بعد نحو 45 دقيقة.
وعبر الزيارتين، أكمل كل مشارك ست جلسات لتصوير نشاط الدماغ أثناء أداء المهمة، استغرقت كل منها 16 دقيقة.
كما تدرب المشاركون على المهمة لمدة لا تقل عن 10 دقائق قبل أول جلسة تصوير في كل يوم.
ورغم هذا التدريب، استمر نشاط الدماغ في التغير مع تكرار المهمة.
أدمغة كبار السن عملت بطريقة مختلفة
أظهر كبار السن نشاطًا دماغيًا أكثر انتشارًا من الشباب أثناء الانتقال بين القواعد المختلفة في المهمة العقلية.
وظهر النشاط الإضافي في عدة مناطق ترتبط بالانتباه والتحكم والحركة ومعالجة المعلومات.
وكان كبار السن أبطأ نسبيًا أو أقل دقة في بعض المهام الأساسية، لكن الزيادة في زمن الاستجابة الناتجة تحديدًا عن الانتقال بين القواعد لم تختلف بوضوح بين الفئتين العمريتين.
ويرى الباحثون أن كبار السن ربما يستعينون بعدد أكبر من مناطق الدماغ للمساعدة في الحفاظ على مستوى الأداء.
لكن الدراسة تؤكد ضمنيًا نقطة مهمة: زيادة نشاط الدماغ لا تعني بالضرورة أن الدماغ يعمل بصورة أفضل.
الممارسة نفسها غيّرت نشاط الدماغ
مع تكرار المشاركين للمهمة، انخفض نشاط الدماغ في عدد من المناطق.
وشملت هذه المناطق جزءًا من المنطقة الجبهية اليسرى، وجزءًا من المنطقة البصرية اليسرى في الجزء الخلفي من الدماغ، إضافة إلى جزء من المخيخ الأيمن.
ولم تسجل أي منطقة في الدماغ ارتفاعًا واضحًا في النشاط نتيجة تكرار المهمة.
وفي الوقت نفسه، أصبح كبار السن أسرع في الانتقال بين القواعد، بينما لم يظهر الشباب التحسن الواضح نفسه.
ولدى كبار السن، ارتبطت سرعة الاستجابة الأعلى بانخفاض النشاط في عدد من مناطق الدماغ، ما يشير إلى أن الممارسة ربما ساعدت الدماغ على تنفيذ المهمة بكفاءة أكبر.
وبدا أن جزءًا من هذا التأثير استمر حتى بين الزيارتين؛ إذ كان نشاط الدماغ أقل عندما عاد المشاركون إلى المهمة في اليوم التجريبي الثاني.
المشي حافظ على نشاط بعض مناطق الدماغ

أظهر المشي نمطًا مختلفًا من التغيرات.
ففي القشرة الجبهية الأمامية الظهرية الوحشية اليمنى، وهي منطقة ترتبط بالتحكم العقلي والقدرة على الانتقال بين القواعد، انخفض النشاط بعد المشي لدى الشباب، بينما ظل قريبًا من مستواه السابق لدى كبار السن.
وأظهر تحليل شامل للدماغ أيضًا أن النشاط في التلفيف المركزي الخلفي الأيمن وفي الفصيصين الجداريين العلويين ظل أكثر استقرارًا بعد المشي.
وترتبط هذه المناطق بمعالجة المعلومات الحسية وتحويل الانتباه أثناء أداء المهام العقلية.
وبعد جلسة الجلوس، انخفض نشاط هذه المناطق مع تكرار المهمة.
وبالتالي، بدا أن المشي قلل من هذا الانخفاض في نشاط بعض المناطق المحددة من الدماغ.
لكن هذه التغيرات لم تؤدِ إلى تحسن واضح في الأداء؛ إذ لم يسجل المشي تحسنًا ذا دلالة إحصائية في زمن الاستجابة أو معدلات الخطأ مقارنة بالجلوس لدى أي من الفئتين العمريتين.
زيادة نشاط الدماغ ليست دائمًا أمرًا جيدًا
تشير النتائج إلى أن جلسة واحدة من المشي المعتدل يمكن أن تغير نمط نشاط الدماغ أثناء أداء مهمة عقلية تتطلب قدرًا من التركيز والمرونة المعرفية.
لكن الدراسة لا تثبت أن المشي مرة واحدة يؤدي فورًا إلى تحسين الوظائف التنفيذية.
وهنا تبرز أهمية تفسير نتائج التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي بحذر، إذ إن الإشارة التي يقيسها الجهاز تعتمد على تغيرات الأكسجين في الدم، ولا تقيس النشاط الكهربائي للخلايا العصبية بصورة مباشرة.
كما تؤثر ممارسة الرياضة في معدل ضربات القلب والتنفس وتدفق الدم ووصول الأكسجين إلى الأنسجة.
لذلك، قد تعكس بعض التغيرات التي رصدها الباحثون بعد المشي تغيرات في تدفق الدم، إلى جانب التغيرات المرتبطة بالنشاط العصبي، ولم تتمكن الدراسة من الفصل بصورة كاملة بين هذه التأثيرات.
وتوضح هذه النقطة لماذا لا ينبغي اعتبار ارتفاع نشاط منطقة معينة في الدماغ دليلًا تلقائيًا على تحسن وظائفها.
ففي هذه الدراسة، ارتبط انخفاض النشاط في بعض المناطق بأداء أسرع، بينما ساعد المشي على الحفاظ على النشاط في مناطق أخرى دون أن يؤدي ذلك إلى تحسن واضح في نتائج الاختبار.
دراسة صغيرة ولها عدة حدود
يشير الباحثون إلى عدد من القيود المهمة في الدراسة.
فالتجربة كانت صغيرة نسبيًا، واستخدمت نوعًا واحدًا من المهام العقلية ونوعًا واحدًا من التمارين، وهو المشي المعتدل على جهاز المشي.
كما أن جلسات الاختبار التي استمرت 16 دقيقة خلقت تأثيرات قوية ناتجة عن الممارسة، وهو ما قد يكون أخفى بعض التأثيرات الأصغر للرياضة.
كذلك، جرى تقدير شدة التمرين اعتمادًا على العمر، بدلًا من قياسها من خلال اختبار لياقة بدنية كامل لكل مشارك.
ولم يقس الباحثون مستوى النشاط البدني المعتاد أو أنماط النوم لدى المشاركين، وهما عاملان يمكن أن يؤثرا في نتائج الدماغ والأداء العقلي.
كما أن مجموعة كبار السن كانت من الأشخاص الأصحاء عمومًا، ولذلك لا يمكن افتراض أن النتائج تنطبق بالضرورة على جميع كبار السن.
ماذا تقول الدراسة فعليًا؟
الرسالة الأوضح من التجربة هي أن تكرار المهمة العقلية يمكن أن يغير نشاط الدماغ والأداء بصورة كبيرة، وهو تأثير يجب أخذه في الاعتبار عند دراسة تأثير الرياضة على الدماغ.
وفي المقابل، يمكن للرياضة أيضًا أن تغير نشاط الدماغ، لكن التغيرات التي ظهرت في هذه التجربة كانت محدودة في مناطق معينة، ولم يصاحبها تحسن واضح في الأداء خلال المهمة.
وبعبارة أخرى، قد يترك المشي لمدة 30 دقيقة أثرًا سريعًا في الطريقة التي يستجيب بها الدماغ لمهمة عقلية، حتى قبل ظهور فوائد سلوكية أو معرفية يمكن قياسها بوضوح.
لكن تحديد معنى هذه التغيرات، وما إذا كانت تحمل فوائد طويلة الأمد لصحة الدماغ، يتطلب دراسات أكبر وأكثر شمولًا.
ونُشرت الدراسة في Journal of Magnetic Resonance Imaging.





