وجهات نظر

أسامة فوزي جورجي: من دولة الوقود إلى دولة الكهرباء النظيفة

الممثل الإقليمي للمنظمة الدولية للهيدروجين الأخضر بجنيف .. المؤسس والرئيس التنفيذي لهيدروجين إنتليجنس

طرح السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي ثلاثة أسئلة جوهرية: «بكام؟ ومن أين؟ وفين؟»، خلال الجلسة الحوارية بعنوان «مسيرة الطاقة المصرية… إنجازات وطنية وآفاق المستقبل»، ضمن فعاليات اليوم الرابع لمنتدى مصر ٢٠٢٦.

وتفتح هذه الأسئلة المجال أمام مناقشة تكلفة تأمين احتياجات مصر من الطاقة، ومصادر تمويلها، والبدائل العملية المتاحة لتخفيف الأعباء عن الموازنة العامة للدولة.

وقد أشار السيد الرئيس، خلال الجلسة، إلى الأعباء المالية الناتجة عن الاضطرابات الجيوسياسية في المنطقة، وما ترتب عليها من زيادة تكلفة استيراد الغاز الطبيعي المسال والمازوت والديزل والبنزين، لتلبية احتياجات الشبكة الكهربائية والصناعة ووسائل النقل. كما أوضح أن محدودية الموارد المتاحة قد تدفع الدولة إلى الاقتراض لضمان استمرار خدمات الطاقة للمواطنين والقطاعات الإنتاجية والسياحية.

وانطلاقًا من ذلك، أطرح المقترحات التالية للمناقشة والدراسة، بوصفها رؤية للتحول التدريجي نحو منظومة طاقة أكثر استدامة.

أولًا: تسعير الانبعاثات وتوجيه العائد للتحول الطاقي

أقترح دراسة مجموعة من الإجراءات، تشمل:

  1. فرض ضريبة كربون على الصناعات الثقيلة الملوثة للبيئة وكثيفة استهلاك الطاقة، وفقًا لحجم انبعاثاتها.

  2. فرض ضريبة كربون على واردات الفحم الأحفوري والفحم البترولي المستخدمين في صناعة الأسمنت.

  3. دراسة فرض ضريبة كربون على الرحلات الجوية التي تدخل المجال الجوي المصري، مع مراعاة الاتفاقيات الدولية ذات الصلة.

  4. دراسة فرض ضريبة كربون على السفن التي تدخل المياه الإقليمية المصرية، وفقًا للأطر القانونية والاتفاقيات البحرية.

  5. دراسة تطبيق ضريبة كربون على وسائل النقل مرتفعة الانبعاثات، ومنها الشاحنات والسيارات القديمة والمتقادمة التي يزيد عمرها على 30 عامًا، مع مراعاة الأبعاد الاجتماعية وتوفير بدائل مناسبة.

  6. مراجعة تسعير الغاز الطبيعي للمصانع كثيفة استهلاك الطاقة، والعمل على رفع ما قد تتلقاه من دعم بصورة مدروسة.

  7. تشجيع مصانع الأسمدة القائمة على تعديل خطوط إنتاجها، والتحول التدريجي من الغاز الطبيعي المستخدم كلقيم إلى الهيدروجين الأخضر، حيثما تسمح الجدوى الفنية والاقتصادية.

  8. وقف التوسع في برامج تحويل المركبات للعمل بالوقود الأحفوري، سواء البنزين أو الغاز الطبيعي، وتوجيه الحوافز نحو البدائل النظيفة.

  9. تشجيع تحويل المركبات والشاحنات لاستخدام الكهرباء، بالتوازي مع تطوير البنية الأساسية للشحن.

وأقدّر أن حصيلة ضريبة الكربون المقترحة قد تصل إلى نحو 18.5 مليار جنيه مصري سنويًا، وهو تقدير أولي يحتاج إلى دراسة تفصيلية تحدد القطاعات المشمولة، وأسعار الكربون، وآليات التحصيل، والآثار الاقتصادية والاجتماعية.

ويمكن توجيه هذه الموارد لدعم الطاقة الجديدة والمتجددة، وكفاءة استخدام الطاقة، وتحديث الصناعة والنقل.

ثانيًا: التوسع في الشبكات الكهربائية الذكية اللامركزية

تستحق تجارب الشبكات الكهربائية اللامركزية، ومنها تجارب في ولاية فيكتوريا الأسترالية، الدراسة للاستفادة مما يلائم الظروف المصرية.

وأقترح تبني الشبكات الكهربائية الذكية الصغيرة والمتناهية الصغر «Mini / Micro Smart Grids»، المعتمدة على طاقة الرياح والطاقة الشمسية، خصوصًا في المناطق السياحية الشاطئية على البحر الأحمر والبحر المتوسط.

ويمكن تصميم هذه الشبكات للعمل بصورة مستقلة أو متصلة بالشبكة القومية، وفقًا لاحتياجات كل منطقة وجدواها الاقتصادية، مع دمج أنظمة التخزين والإدارة الذكية للأحمال. وقد يسهم ذلك في تقليل الحاجة إلى بعض امتدادات الربط، وخفض تكاليف النقل والتوزيع، وتعزيز استمرارية الإمداد.

ثالثًا: دراسة نموذج المحطات الصغيرة والمتوسطة للهيدروجين الأخضر

أطرح دراسة الاستفادة من النماذج الصينية القائمة على الإنتاج اللامركزي للهيدروجين الأخضر ومشتقاته، من خلال محطات معيارية صغيرة بطاقة إنتاجية تقديرية تتراوح بين 20 ألف طن و50 ألف طن سنويًا.

ويستند هذا المقترح إلى تقدير بأن تكلفة بعض هذه المحطات قد تقارب 10% من استثمارات المشروعات الضخمة المزمع إنشاؤها في مصر، والتي قد تتراوح تكلفتها الاستثمارية بين 5 و7 مليارات دولار، بطاقة إنتاجية تصل إلى 200 ألف طن سنويًا.

وتحتاج هذه المقارنة إلى دراسة فنية ومالية موحدة، تراعي اختلاف الطاقة الإنتاجية ونطاق المشروع، وما إذا كانت التكلفة تشمل توليد الكهرباء المتجددة، والتحليل الكهربائي، والتخزين، والمرافق، وإنتاج المشتقات.

وفي تقديري، قد يواجه التوسع في المشروعات الكبرى تحديات تتعلق بتوافر التمويل وتأمين مشترين أوروبيين بعقود طويلة الأجل. لذلك، أقترح تشجيع الشركات المصرية الوطنية على دراسة إنشاء مشروعات صغيرة ومتوسطة، ترتبط بطلب محلي واضح وقابل للاستمرار.

رابعًا: دراسة دور الدولة كمشترٍ للهيدروجين الأخضر

أقترح أن تدرس الدولة القيام بدور المشتري الحكومي للهيدروجين الأخضر، لتشجيع الإنتاج المحلي وخلق طلب مستقر، بدءًا بالمصانع الملائمة التابعة لقطاع الأعمال العام والقطاع العام، ثم التوسع إلى القطاع الخاص وفقًا لنتائج التجربة.

ويجب أن تقوم هذه السياسة على مقارنة اقتصادية بين تكلفة الهيدروجين الأخضر والبدائل المستوردة، بما فيها الغاز الطبيعي المسال والوقود الأحفوري، مع اختبار سيناريوهات ارتفاع أسعار النفط التي قد تصل إلى 150 دولارًا للبرميل.

ويظل هذا الرقم سيناريو للمقارنة وتقييم المخاطر، وليس سعرًا حاليًا مؤكدًا أو توقعًا حتميًا.

وينبغي أن يرتبط أي دعم للهيدروجين الأخضر بجدوى الاستخدام، وحجم الواردات التي يمكن إحلالها، والانبعاثات التي يمكن خفضها، حتى يسهم في تخفيف الأعباء عن الموازنة.

خامسًا: توطين الصناعات الداعمة للطاقة النظيفة

أقترح وضع خطة وطنية لتشجيع توطين صناعة بطاريات التخزين، ومكونات توربينات الرياح، وخلايا الطاقة الشمسية، من خلال حوافز استثمارية وتمويل مناسب عبر البنوك المصرية.

ويجب أن تقترن هذه الخطة بنقل التكنولوجيا، وتدريب الكوادر، وزيادة المكون المحلي، وربط التصنيع باحتياجات السوق وفرص التصدير.

سادسًا: تحديث الشبكة القومية ورفع كفاءتها

أقترح تعزيز موثوقية الشبكة القومية للكهرباء وتطوير إدارتها، باستخدام أنظمة التحكم الرقمي والذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالأحمال، وتحسين التوزيع، ورصد الأعطال، وخفض الفاقد الفني والتجاري.

وبالتوازي، ينبغي تقييم كفاءة محطات التوليد التي تعمل بالمازوت، وتحديث الوحدات التي تستدعي ذلك، مع زيادة قدرة الشبكة على استيعاب الكهرباء المنتجة من الرياح والشمس، وتوفير التخزين والمرونة التشغيلية اللازمة.

إن أمن الطاقة يتطلب مراجعة مستمرة لاستراتيجية مزيج الطاقة، وإعطاء عنصر الوقت أولوية في التنفيذ. فالاعتماد الكبير على الوقود الأحفوري يعرض الاقتصاد لتقلبات الأسعار، واضطرابات الإمداد، ومخاطر استنزاف الموارد.

وأرى أن مصر تحتاج إلى تسريع الانتقال نحو الكهرباء النظيفة، عبر سياسات قابلة للتنفيذ، ودراسات جدوى دقيقة، وشراكة بين الدولة والقطاع الخاص، بما يعزز أمن الطاقة والقدرة التنافسية للاقتصاد المصري.

مقالات ذات صلة

Comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة