أخبارالتنوع البيولوجيتغير المناخ

أشعة الشمس تزيد تأثير جزيئات البلاستيك القابل للتحلل على أسماك المياه

البلاستيك القابل للتحلل ليس آمنًا دائمًا.. ضوء الشمس يغير تأثيره على الأسماك

كشفت دراسة علمية حديثة أن جزيئات البلاستيك القابل للتحلل المصنوعة من حمض البولي لاكتيك (PLA) يمكن أن ترتبط بتغيرات ملحوظة في الاستجابة المناعية ووظائف خلايا الدم لدى أسماك التروتة قوس قزح، وأن تعرض هذه الجزيئات لأشعة الشمس ومحاكاتها في المختبر قد يغير من تأثيراتها البيولوجية ويزيد بعض مظاهر الضرر.

وتسلط النتائج الضوء على أهمية دراسة سلوك المواد البلاستيكية القابلة للتحلل بعد وصولها إلى الأنهار والبحار، بدلًا من الاكتفاء بتقييم قدرتها على التحلل في ظروف محددة، إذ لا يعني وصف مادة بأنها قابلة للتحلل بالضرورة أنها آمنة لجميع الكائنات الحية في البيئات الطبيعية.

وأجرى الدراسة ديفي تونج ووين شيونج وانج، من جامعة مدينة هونج كونج، وركز الباحثون على تأثير جزيئات البلاستيك الدقيقة المصنوعة من حمض البولي لاكتيك، المعروف اختصارًا باسم PLA، وهو أحد أنواع البلاستيك المستخدمة في تطبيقات متعددة، تشمل عبوات الأغذية والأكواب أحادية الاستخدام وبعض المنتجات الطبية والزراعية.

خلايا الدم تكشف الاستجابة المبكرة للإجهاد البيئي

اختار الباحثون خلايا الدم لدراسة استجابة الأسماك لجزيئات البلاستيك الدقيقة، باعتبار أن الدم ينتقل عبر مختلف أجزاء الجسم، ويمكن أن يوفر مؤشرات مبكرة على التغيرات التي تصيب وظائف الخلايا والاستجابة المناعية.

وقالت ديفي تونج إن الدم يربط بين الأعضاء المختلفة، ما يجعله موقعًا مهمًا لرصد العلامات المبكرة للإجهاد البيئي، بدلًا من الاقتصار على فحص الأضرار التي قد تظهر في أعضاء بعينها، مثل الكبد والخياشيم والجهاز الهضمي.

وأضافت أن الدراسة استهدفت فهم كيفية استجابة خلايا الدم لجزيئات البلاستيك الدقيقة، وما إذا كانت هذه الاستجابات يمكن أن تساعد في الكشف عن المخاطر المحتملة لهذه الملوثات.

ولتتبع حركة الجزيئات داخل الأنسجة الحية، استخدم الفريق البحثي علامات فلورية وتقنية تُعرف باسم الانبعاث المستحث بالتجمع، بما أتاح رصد الجزيئات تحت المجهر ومتابعة وجودها داخل جسم السمكة.

ورصد الباحثون الجزيئات في مجرى الدم المحيطي، وهو ما أتاح لهم دراسة استجابات الخلايا بعد وصول الجزيئات إلى الدورة الدموية، بدلًا من قصر الفحص على الأنسجة التي يمكن أن تتعرض لها مباشرة، مثل الجهاز الهضمي والخياشيم.

تزيد تأثير جزيئات البلاستيك القابل للتحلل على أسماك المياه

ثمانية أنواع من خلايا الدم تكشف تغيرات في المناعة

استخدم الباحثون تقنية تسلسل الحمض النووي الريبي على مستوى الخلية الواحدة (Single-cell RNA sequencing)، لتحليل أنماط التعبير الجيني في ثماني مجموعات متميزة من خلايا الدم.

وتتيح هذه التقنية دراسة استجابة كل مجموعة من الخلايا بصورة أكثر تفصيلًا، وتحديد التغيرات التي قد لا تظهر بوضوح عند تحليل الدم بوصفه مزيجًا واحدًا من الخلايا والمكونات.

وأظهرت النتائج تغيرات في أنماط التعبير الجيني لدى عدة أنواع من خلايا الدم، وكانت خلايا البلعميات والوحيدات من بين المجموعات التي سجلت أوسع نطاق من التغيرات.

وتؤدي هذه الخلايا دورًا مهمًا في الدفاع المناعي، بما في ذلك التعرف على العوامل الغريبة والتعامل معها. كما رصد الباحثون تغيرات في المسارات الجينية المرتبطة بالمناعة والتصاق الخلايا لدى الخلايا البطانية التي تبطن الأوعية الدموية.

وأشارت النتائج كذلك إلى تغيرات محتملة في آليات التواصل بين مجموعات خلايا الدم، وهي العمليات التي تساعد الخلايا المختلفة على تنسيق وظائفها والاستجابة للمؤثرات الخارجية.

وقالت تونج إن التعرض لجزيئات البلاستيك المصنوعة من حمض البولي لاكتيك ارتبط بتغيرات في توازن بعض أنواع خلايا الدم ونشاطها، خصوصًا الخلايا المشاركة في الدفاع المناعي، إلى جانب مؤشرات على تأثر التواصل بين الخلايا.

ماذا يحدث للبلاستيك القابل للتحلل تحت أشعة الشمس؟

تزيد تأثير جزيئات البلاستيك القابل للتحلل على أسماك المياه

لم تقتصر الدراسة على فحص الجزيئات البلاستيكية في حالتها الأصلية، بل قارن الباحثون بينها وبين جزيئات تعرضت لعملية تعتيق ضوئي تحاكي تأثير أشعة الشمس في البيئة.

ففي الأنهار والمياه الساحلية، تتعرض المواد البلاستيكية للأشعة فوق البنفسجية، والأكسدة، والتفاعلات مع الكائنات الدقيقة، وهي عوامل يمكن أن تغير خصائص أسطحها وتركيبها الكيميائي بمرور الوقت.

ولمحاكاة بعض هذه الظروف، عرّض الفريق البحثي مجموعة من جزيئات البلاستيك المصنوع من حمض البولي لاكتيك لضوء يحاكي أشعة الشمس، ثم قارن تأثيرها بتأثير الجزيئات غير المتقادمة.

وأظهرت المقارنة أن الجزيئات التي تعرضت للتعتيق الضوئي ارتبطت بتغيرات أكثر وضوحًا في بعض المؤشرات، من بينها زيادة تشوهات خلايا الدم الحمراء، إلى جانب اختلافات في الاستجابات المرتبطة بالمناعة والتواصل بين الخلايا.

وتشير هذه النتائج إلى أن التأثير البيولوجي لجزيئات البلاستيك القابل للتحلل قد يتغير مع تعرضها للعوامل البيئية، وأن تقييم مخاطرها يحتاج إلى مراعاة حالة المادة بعد التجوية، وليس خصائصها عند تصنيعها فقط.

لكن النتائج لا تعني أن جميع أنواع البلاستيك القابل للتحلل تصبح أكثر ضررًا عند تعرضها للشمس، إذ تناولت الدراسة مادة محددة وظروفًا تجريبية بعينها، ما يستدعي إجراء مزيد من الأبحاث لتحديد مدى انطباق هذه التأثيرات على مواد أخرى وأنواع مختلفة من الكائنات المائية.

التحلل لا يعني بالضرورة الأمان البيئي

تزيد تأثير جزيئات البلاستيك القابل للتحلل على أسماك المياه

يُستخدم حمض البولي لاكتيك في تصنيع مجموعة من المنتجات التي يُروَّج لها باعتبارها بدائل للبلاستيك التقليدي، نظرًا إلى إمكانية تحلله في ظروف مناسبة.

غير أن التحلل يعتمد على عوامل، من بينها درجة الحرارة والرطوبة والنشاط الميكروبي والظروف المحيطة بالمادة. ففي كثير من التطبيقات الصناعية، تتطلب عملية التسميد الفعالة ظروفًا مضبوطة قد لا تتوافر بالدرجة نفسها في البيئات المائية الطبيعية.

وبالتالي، فإن وصول هذه المواد إلى الأنهار والبحار لا يضمن تحللها السريع، وقد تظل الجزيئات الناتجة عنها موجودة فترة تسمح بتعرض الكائنات المائية لها.

وتؤكد الدراسة أهمية التمييز بين قابلية المادة للتحلل في ظروف معينة ومدى سلامتها البيئية خلال المراحل المختلفة من دورة حياتها، بما يشمل فترة بقائها في المياه وتغير خصائصها بفعل أشعة الشمس والعوامل الطبيعية.

وقال وين شيونج وانج إن اعتبار البلاستيك القابل للتحلل حلًا للتلوث البلاستيكي لا يكفي وحده لضمان سلامته، مشيرًا إلى أهمية دراسة التغيرات التي تطرأ على هذه المواد مع تقدمها في العمر داخل البيئة.

تزيد تأثير جزيئات البلاستيك القابل للتحلل على أسماك المياه

منهجية جديدة لتقييم مخاطر المواد البلاستيكية

تزيد تأثير جزيئات البلاستيك القابل للتحلل على أسماك المياه

إلى جانب النتائج المتعلقة بجزيئات حمض البولي لاكتيك، تبرز الدراسة إمكانية الاستفادة من الجمع بين تتبع الجزيئات داخل الأنسجة الحية، وتصوير خلايا الدم، وتحليل التعبير الجيني على مستوى الخلية الواحدة، لتطوير أساليب أكثر دقة في تقييم التأثيرات البيولوجية للمواد البلاستيكية.

ويمكن أن يساعد تطبيق هذه المنهجية على أنواع أخرى من البلاستيك القابل للتحلل في تحديد كيفية استجابة الكائنات المائية للمواد المختلفة، وما إذا كانت التغيرات التي تطرأ عليها في البيئة تؤثر في خصائصها البيولوجية.

كما يمكن أن تسهم هذه الأبحاث في تطوير معايير أكثر شمولًا لتقييم المواد الجديدة قبل التوسع في استخدامها تجاريًا، بحيث لا يقتصر التقييم على كفاءة التحلل أو تقليل النفايات، بل يشمل أيضًا التأثيرات المحتملة على الكائنات الحية.

ولا تزال الحاجة قائمة إلى مزيد من الدراسات لتحديد الآثار طويلة الأجل، ومدى ارتباط التغيرات الخلوية المرصودة بتأثيرات فعلية على صحة الأسماك وقدرتها على البقاء والتكاثر في البيئات الطبيعية.

ونُشرت الدراسة في مجلة Environmental Chemistry and Toxicology، وتقدم نتائجها مؤشرًا على أن تقييم الاستدامة البيئية للمواد البلاستيكية يحتاج إلى النظر في سلوكها بعد وصولها إلى البيئة، وليس الاكتفاء بالخصائص التي تحملها عند إنتاجها.

مقالات ذات صلة

Comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة