أخبارالتنمية المستدامةالتنوع البيولوجي

من مصايد الأسماك إلى الأراضي الرعوية.. حماية الطبيعة تبدأ من حياة المجتمعات المحلية

خارج أسوار المحميات.. أين تختبئ فرص إنقاذ التنوع البيولوجي على كوكب الأرض؟

لا تقتصر حماية التنوع البيولوجي على الحدائق الوطنية والمحميات البرية والبحرية، فهناك مناطق أخرى تؤدي دورًا مهمًا في الحفاظ على الأنواع والموائل الطبيعية، رغم أنها لم تُنشأ أساسًا لأغراض الحماية البيئية.

وتشمل هذه المناطق أراضي زراعية ورعوية، ومصايد تديرها مجتمعات محلية، وأراضي ذات أهمية ثقافية وروحية، وأنظمة بيئية بحرية وتحت الأرض.

وتسلط مراجعة علمية جديدة الضوء على أهمية الاعتراف بهذه المواقع ودعمها، باعتبارها جزءًا من الجهود العالمية الرامية إلى وقف تدهور الطبيعة وتحقيق هدف حماية 30% من اليابسة والمياه العذبة والمحيطات بحلول عام 2030.

وتناولت المراجعة تطور مفهوم يُعرف باسم «تدابير الحفظ الفعالة الأخرى القائمة على المناطق» (OECMs)، وهو إطار يتيح الاعتراف بالمناطق التي تحقق نتائج مستدامة في حماية التنوع البيولوجي، حتى إذا لم يكن الحفاظ على الطبيعة هو الغرض الأساسي من إدارتها.

وأعد المراجعة باحثون بقيادة جامعة إكستر البريطانية والمركز الدولي للدراسات المتقدمة في جيرسي، بمشاركة باحثين من مؤسسات أكاديمية أخرى. ونُشرت في دورية Annual Review of Environment and Resources.

لماذا لا تكفي المحميات التقليدية وحدها؟

حماية الطبيعة تبدأ من حياة المجتمعات المحلية

يقضي الهدف العالمي المعروف باسم «30×30»، والمنصوص عليه في إطار كونمينغ–مونتريال العالمي للتنوع البيولوجي، بالحفاظ على 30% من اليابسة والمياه العذبة والمناطق البحرية بحلول عام 2030.

لكن التقدم نحو هذا الهدف يواجه تحديًا يتمثل في أن كثيرًا من المناطق المهمة بيئيًا تقع خارج الحدود الرسمية للمحميات، بينما قد تكون إدارتها الحالية قادرة بالفعل على دعم الأنواع البرية والبحرية واستمرار النظم البيئية.

وهنا تظهر أهمية تدابير الحفظ الفعالة الأخرى القائمة على المناطق، التي توسع مفهوم الحماية ليشمل المواقع التي تحقق نتائج بيئية مستدامة، حتى لو كانت تُستخدم في الزراعة أو الرعي أو صيد الأسماك أو لأغراض ثقافية واجتماعية.

ومن أمثلتها الأراضي التي تديرها الشعوب الأصلية، والمراعي التي تعتمد على الرعي منخفض الكثافة، ومصايد الأسماك المجتمعية التي تسهم قواعد إدارتها في الحفاظ على أعداد الأسماك، فضلًا عن بعض النظم البيئية البحرية العميقة والمناطق المرتبطة بشبكات المياه الجوفية.

ولا يعني ذلك أن كل أرض زراعية أو منطقة صيد أو موقع ذي أهمية ثقافية يستحق تلقائيًا هذا التصنيف؛ إذ يتطلب الاعتراف إثبات أن الإدارة الفعلية للموقع تحقق نتائج إيجابية ومستدامة للتنوع البيولوجي.

من 855 موقعًا إلى 6464.. توسع في الاعتراف الدولي

بحلول نهاية عام 2024، بلغ عدد المواقع المعترف بها رسميًا ضمن هذا الإطار 6464 موقعًا في 15 دولة، وفق البيانات التي أوردتها المراجعة، لتغطي نحو 1.2% من اليابسة و0.1% من المحيطات.

وكان العدد قد بلغ 855 موقعًا في 10 دول في مارس 2024، وهو ما يعكس تسارعًا في الاعتراف بهذا النوع من مناطق الحفظ خلال الفترة التي تتناولها البيانات.

ورغم هذا التوسع، لا تزال المساحات المسجلة محدودة مقارنة بحجم التحدي العالمي. وتتمثل أهمية هذه المواقع في أنها قد تضيف مناطق جديدة إلى جهود الحفاظ على الطبيعة، من دون اشتراط تحويلها جميعًا إلى محميات تقليدية أو إيقاف الأنشطة البشرية المستدامة داخلها.

وقالت كاثرين وينسينك، المؤلفة الرئيسية للمراجعة والمديرة التنفيذية لمنتدى الحفاظ على الطبيعة في أقاليم ما وراء البحار البريطانية وباحثة دكتوراه في جامعة إكستر، إن الدول بدأت تطبيق هذا المفهوم بالفعل قبل حسم جميع جوانب النقاش الدولي بشأنه.

وأضافت أن تطور المفهوم يكشف كيف يمكن لفكرة عالمية واحدة أن تتخذ أشكالًا مختلفة بحسب ظروف المجتمعات والنظم البيئية التي يجري تطبيقها فيها.

الاعتراف الرسمي وحده لا يحمي الطبيعة

تحذر المراجعة من اختزال الحماية في منح المواقع تصنيفًا رسميًا أو إدراجها ضمن التقارير الوطنية. فالمعيار الأساسي هو ما إذا كانت إدارة المنطقة تحقق نتائج قابلة للقياس وتحافظ على التنوع البيولوجي بمرور الوقت.

ويشمل ذلك تقييم كفاءة الإدارة، واستمرار النتائج البيئية، وقدرة الموقع على التكيف مع التغيرات التي يفرضها تغير المناخ على الموائل والأنواع.

وتقدم التجربة الكندية المبكرة درسًا مهمًا في هذا السياق. فعلى الرغم من أن كندا كانت من الدول التي بادرت إلى الاعتراف بمناطق ضمن هذا الإطار، أثارت المراحل الأولى من التطبيق مخاوف بشأن مدى الاعتراف بحقوق الشعوب الأصلية ودورها في اتخاذ القرارات المتعلقة بأراضيها.

وتشير هذه التجربة إلى أن شرعية إجراءات الحماية لا تنبع من الشهادة الحكومية وحدها، بل من احترام حقوق المجتمعات التي تدير الأراضي والمياه، وإشراكها بصورة حقيقية في القرارات التي تؤثر في سبل عيشها.

فإذا جرى إدراج منطقة ضمن جهود الحفظ دون موافقة أصحاب الحقوق أو دون ضمان مشاركتهم الفعلية، فقد يصبح التصنيف الرسمي منفصلًا عن الواقع، وربما يهدد الثقة التي تقوم عليها الإدارة المستدامة للموارد.

حماية الطبيعة تبدأ من حياة المجتمعات المحلية

المجتمعات المحلية شريك أساسي في حماية التنوع البيولوجي

تؤكد المراجعة أن فرص نجاح هذه المناطق تزداد عندما تستند الإدارة إلى تمكين المجتمعات المحلية، والدعم طويل الأجل، والتوزيع العادل للمنافع الناتجة عن الحفاظ على الموارد الطبيعية.

وفي إندونيسيا، تُظهر ترتيبات حقوق استخدام المناطق البحرية كيف يمكن تمكين صغار الصيادين من إدارة الموارد الساحلية بصورة مستدامة. كما تؤثر القيم الثقافية وأنماط استخدام الأراضي في مناطق الرعي بشرق أفريقيا في كيفية الحفاظ على الطبيعة مع استمرار الأنشطة التقليدية.

وقالت جوليا إي. فا، المشاركة في تأليف المراجعة والباحثة في جامعة مانشستر متروبوليتان وجامعة جبل طارق، إن هذا الإطار يتيح الاعتراف بجهود الحفظ المتجذرة في العلاقة اليومية بين الناس والأرض والمياه.

وشددت على أن الاعتراف يجب أن يصاحبه دعم للأشخاص المسؤولين عن هذه المناطق، واحترام لحقوقهم، وأدلة تثبت استمرار حماية التنوع البيولوجي.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في المناطق التي تعتمد فيها المجتمعات على الزراعة أو الرعي أو الصيد؛ إذ لا يمكن فصل الحفاظ على البيئة عن أمن الغذاء والدخل واستمرار سبل المعيشة.

عندما تتجاوز النظم البيئية حدود الدول

لا تقتصر تحديات الحماية على إدارة المواقع داخل حدود الدول، فبعض المناطق البحرية الأكثر تنوعًا بيولوجيًا تقع في أعالي البحار، حيث تتداخل المصالح الدولية وتتعقد مسؤوليات الإدارة والرقابة.

ومن الأمثلة التي تناولتها المراجعة مرتفعات سالاس إي غوميز ونازكا في المحيط الهادئ، وهي منطقة ذات أهمية بيئية تمتد عبر أعالي البحار وتبلغ مساحتها نحو 150 ألف كيلومتر مربع.

وتشير المادة إلى أن أكثر من 73% من المرتفعات البحرية الواقعة في مناطق خارج الولاية الوطنية معرضة للاستغلال غير المنظم، ما يبرز صعوبة حماية هذه النظم البيئية من خلال جهود دولة واحدة فقط.

وفي مثل هذه الحالات، يمكن أن يوفر إطار مناطق الحفظ الفعالة الأخرى أساسًا للتعاون بين الدول والجهات المعنية، إلى جانب أدوات الحماية البحرية التقليدية، شريطة وجود آليات واضحة للمسؤولية والرقابة والإنفاذ.

اختبار حقيقي قبل مؤتمر التنوع البيولوجي COP17

تأتي أهمية هذه المراجعة في وقت تستعد فيه الدول لتقييم التقدم المحرز نحو أهداف إطار كونمينغ–مونتريال العالمي للتنوع البيولوجي، بما في ذلك هدف حماية 30% من اليابسة والمياه العذبة والمحيطات بحلول 2030.

وتتيح المناطق المعترف بها ضمن إطار OECMs فرصة لتوسيع نطاق جهود الحفظ، لكنها لا تمثل بديلًا تلقائيًا عن المحميات التقليدية، ولا ينبغي استخدامها لتعويض ضعف الحماية في المواقع التي تحتاج إلى إجراءات أكثر صرامة.

ويتطلب التقدم الحقيقي تحديد المسؤول عن إدارة كل منطقة، وضمان مشاركة أصحاب الحقوق، وتوفير تمويل ودعم مستمرين، ومراقبة المؤشرات البيئية بمرور الوقت، بدلًا من الاكتفاء بعدد المواقع أو المساحة المسجلة في التقارير.

والخلاصة أن حماية الطبيعة لا تتعلق فقط برسم حدود على الخريطة، بل بما يحدث داخل هذه الحدود وخارجها: هل تستمر الأنواع والموائل في البقاء؟ وهل تُدار الموارد بصورة مستدامة؟ وهل يحصل السكان الذين يحافظون عليها على حقوقهم ودعمهم المستحق؟

إن توسيع مفهوم الحفظ قد يساعد العالم على الاقتراب من هدف 2030، لكن نجاحه سيُقاس بالنتائج البيئية الفعلية، لا بمجرد زيادة الأرقام الرسمية.

مقالات ذات صلة

Comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة