أخبارالمدن الذكيةابتكارات ومبادرات

من بقايا القهوة إلى عمارة ثلاثية الأبعاد.. ابتكار يحوّل المخلفات إلى مواد قابلة للتحلل

تفل القهوة يدخل عالم البناء المستدام.. مادة جديدة تجمع بين التصميم والعزل وامتصاص الصوت

في محاولة لتحويل أحد المخلفات اليومية إلى مورد قابل للاستخدام في التصميم المعماري، طور باحثون أستراليون مادة للطباعة ثلاثية الأبعاد تعتمد على تفل القهوة المستهلكة، بهدف استكشاف إمكانات توظيف النفايات العضوية في إنتاج أشكال معمارية تجمع بين الوظيفة والتصميم والاستدامة.

ويجمع المشروع، الذي يحمل اسم «Waste to Form»، بين علوم المواد والهندسة والتصميم المعماري، إذ استخدم الباحثون بقايا القهوة التي جُمعت محليًا في مدينة ملبورن لتطوير خيط طباعة ثلاثية الأبعاد قابل للتحلل الحيوي، ثم توظيفه في إنتاج نموذج معماري واسع النطاق عُرض خلال أسبوع ملبورن للتصميم.

وأشرف على المشروع البروفيسورة باوهوا جيا من كلية العلوم بجامعة RMIT، بالتعاون مع الدكتور نيك باو من كلية الهندسة المعمارية والتصميم الحضري بالجامعة، في تجربة تستكشف كيف يمكن للمواد المستمدة من المخلفات أن تنتقل من البحث المعملي إلى تطبيقات تصميمية محتملة.

تفل القهوة.. من النفايات اليومية إلى مادة للتصنيع

تنتج المقاهي كميات كبيرة من تفل القهوة بعد إعداد المشروبات، وغالبًا ما يُتخلص من هذه البقايا رغم احتوائها على مكونات عضوية يمكن استكشاف استخدامها في تطبيقات مختلفة.

وانطلق الباحثون من فكرة الاستفادة من هذه المخلفات بدلًا من الاعتماد على مواد جديدة، في إطار توجه أوسع نحو الاقتصاد الدائري، الذي يسعى إلى إطالة عمر الموارد وتقليل النفايات من خلال إعادة استخدامها وتحويلها إلى منتجات ذات قيمة.

وقالت البروفيسورة باوهوا جيا إن فريقها في مركز المواد النانوية والتصنيع النانوي بجامعة RMIT يبحث في طرق أكثر كفاءة لاستخدام المواد المتاحة بالفعل، ولا سيما المخلفات الناتجة عن الأنشطة اليومية.

وأضافت أن الفريق يستخدم الطباعة ثلاثية الأبعاد في أبحاثه، وهي عملية تعتمد عادةً على خيوط بلاستيكية، من بينها مواد مصنوعة من نشا الذرة أو مواد أخرى تختلف في خصائصها البيئية.

ومع انتشار ثقافة القهوة في ملبورن، رأى الباحثون أن تفل القهوة يمثل مادة جديرة بالدراسة لتطوير بديل مستمد من المخلفات.

ويعتمد الابتكار على تطوير مادة قابلة للتحلل الحيوي يكون تفل القهوة أساسًا فيها، بدلًا من التعامل معه باعتباره نفاية ينبغي التخلص منها.

ابتكار يحوّل المخلفات إلى مواد قابلة للتحلل

مادة تجمع بين القوة واللون والرائحة

لم تقتصر نتائج المشروع على الاستفادة من المخلفات، بل أشار الباحثون إلى أن تفل القهوة أسهم في زيادة قوة المادة المطورة، كما منحها لونًا بنيًا مميزًا ورائحة القهوة.

ويتيح ذلك استكشاف استخدام المادة في تصميم عناصر معمارية تجمع بين خصائصها الفيزيائية ومظهرها الحسي، بدلًا من النظر إلى المادة بوصفها مجرد وسيلة لتشكيل منتج مطبوع.

وقال كانج ليو، أحد أعضاء الفريق والباحث في مرحلة الدراسات العليا، إن التعاون بين علوم المواد والهندسة المعمارية ساعد على الربط بين الشكل المعماري ووظيفة المادة.

وأوضح، أن التصميمات المعمارية المعقدة تُواجَه أحيانًا بتساؤلات بشأن ضرورتها، خاصة إذا كانت تكلفتها أعلى، لكن المشروع يوضح كيف يمكن أن يرتبط تعقيد الشكل بأداء المادة ووظيفتها.

وأضاف أن المادة القائمة على تفل القهوة قد تتيح إمكانات في امتصاص الصوت والعزل، إلى جانب اللون والرائحة، بما يمنح المصممين خيارات إضافية عند تطوير العناصر المعمارية.

ومع ذلك، فإن هذه الخصائص تمثل إمكانات يجري استكشافها ضمن المشروع، ولا تعني أن المادة أصبحت بديلًا معتمدًا لمواد البناء التقليدية؛ إذ يتطلب ذلك اختبارات إضافية لتقييم أدائها ومتانتها وسلامتها في ظروف الاستخدام الفعلية.

من التجارب المعملية إلى نموذج معماري واسع النطاق

يمثل تحويل المادة إلى نموذج معماري كامل أحد المحاور المهمة للمشروع، إذ يتيح اختبار كيفية انتقال خصائص المواد المستحدثة إلى تطبيقات أكبر من النماذج الصغيرة المستخدمة في التجارب المعملية.

وقال الدكتور نيك باو، مدير مختبر FormX للأبحاث في كلية الهندسة المعمارية والتصميم الحضري بجامعة RMIT، إن التعاون بين علماء المواد والباحثين في العمارة يساعد على تحويل المواد الجديدة إلى تطبيقات واقعية.

وأوضح أن فريق علوم المواد يركز على تطوير المادة وفهم خصائصها، بينما يبحث فريق العمارة في كيفية توظيف هذه الخصائص ضمن التصميم الحاسوبي والتصنيع بالإضافة، وهو المصطلح المستخدم لوصف تقنيات التصنيع التي تبني الأشكال بإضافة المادة تدريجيًا، ومنها الطباعة ثلاثية الأبعاد.

وأضاف أن النموذج المعماري بالحجم الكامل يمثل خطوة مهمة لاختبار انتقال المادة المشتقة من المخلفات من نطاق البحث إلى نظام معماري محتمل.

وعُرضت التصميمات الناتجة من مشروع «Waste to Form» خلال أسبوع ملبورن للتصميم، حيث لاقت استحسانًا بسبب تصميمها ورائحتها، كما حظي المشروع باهتمام منشورات متخصصة في الصناعة والتصميم، من بينها Modscape وModbotics، وظهر على غلاف دورية Architectural Intelligence.

فريق العمل

هل تفتح مخلفات القهوة مسارًا للبناء منخفض الكربون؟

يرتبط المشروع بتوجه بحثي يسعى إلى تقليل الهدر واستكشاف مواد بديلة يمكن أن تدعم التصنيع الأكثر استدامة.
فإعادة توظيف المخلفات العضوية قد تتيح الاستفادة من موارد كانت ستُهدر، وتفتح المجال أمام منتجات جديدة في التصميم والتصنيع.

لكن وصف المادة بأنها قابلة للتحلل الحيوي لا يكفي وحده لإثبات أن استخدامها أقل أثرًا بيئيًا في جميع الظروف.
فتقييم الاستدامة يتطلب النظر في مكونات المادة الأخرى، والطاقة المستخدمة في جمع المخلفات ومعالجتها وتصنيعها، ومتانة المنتج وعمره الافتراضي، وإمكانات إعادة استخدامه أو التخلص منه في نهاية عمره.

كما أن استخدام المادة في تطبيقات معمارية فعلية يتطلب اختبارات تتعلق بالتحمل والاستقرار ومقاومة الرطوبة والحريق، وفقًا لطبيعة الاستخدام والمعايير المعمول بها. ولم يذكر التقرير أن المادة حصلت على اعتماد للاستخدام الإنشائي أو أنها أصبحت بديلًا تجاريًا جاهزًا لمواد البناء التقليدية.

لذلك، تتمثل أهمية المشروع في إثبات إمكانية تحويل مخلفات القهوة إلى مادة للطباعة ثلاثية الأبعاد وتوظيفها في نموذج معماري، مع فتح المجال أمام أبحاث لاحقة لتقييم إمكاناتها في تطبيقات التصميم والبناء منخفض الكربون.

تعليم الطلاب مفاهيم الاستدامة والتصنيع المتقدم

امتد المشروع إلى المجال التعليمي من خلال برنامج «تحديات مستقبل التصنيع النانوي الأسترالي»، الذي يدمج مفهوم الطباعة ثلاثية الأبعاد باستخدام المواد القائمة على القهوة في أنشطة تعليمية تستهدف طلاب المدارس الثانوية.

وقالت جيا إن الطلاب يشاركون بصورة مباشرة في أنشطة تربط بين الاستدامة وعلوم المواد والتصميم والتصنيع المتقدم، بما يتيح لهم التعرف عمليًا على كيفية تحويل المخلفات إلى مواد يمكن استخدامها في تطوير منتجات جديدة.

وتمنح هذه الأنشطة الطلاب فرصة لفهم العلاقة بين اختيار المواد والابتكار الصناعي والآثار البيئية للمنتجات، بدلًا من الاقتصار على الجوانب النظرية للتصميم والتصنيع.

الخطوة المقبلة: توسيع الشراكات والتطبيقات

يسعى فريق البحث إلى توسيع المشروع من خلال التعاون مع الباحثين والشركات والجهات المعنية، بما يشمل المقاهي وموردي المواد والمصممين والمهندسين والمصنعين وشركات البناء.

ويستهدف هذا التعاون استكشاف استخدامات محتملة للمادة في قطاعات متعددة، من إدارة المخلفات والمواد والتصنيع إلى التصميم والبناء والتغليف والمنتجات الاستهلاكية.

ويعكس مشروع «Waste to Form» أحد مسارات الاقتصاد الدائري، عبر اختبار إمكانية تحويل مخلفات شائعة إلى مادة قابلة للتصنيع والتوظيف في التصميم.

أما توسيع استخدامها تجاريًا، فسيعتمد على إثبات أدائها الفني والبيئي، وتطوير عمليات إنتاج قابلة للتوسع، وتحديد التطبيقات التي تحقق فيها قيمة مضافة حقيقية.

مقالات ذات صلة

Comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة