أخبارالتنمية المستدامة

قبور الكربون… طريقة بدائية قد تنقذ الكوكب من الاحتباس الحراري

العلماء يقترحون دفن الأخشاب لامتصاص 12 مليار طن من الكربون سنويًا “القبور الخشبية”

هل يمكننا دفن الخشب لإبطاء تغير المناخ؟

رغم تصاعد النداءات العالمية لتقليل الانبعاثات الحرارية والاعتماد على الطاقة المتجددة، ما تزال معدلات الكربون في الغلاف الجوي ترتفع بوتيرة تنذر بالخطر.

وبعد أن خابت آمال كثيرة في التكنولوجيا “العالية” لالتقاط الكربون — مثل أجهزة الشفط الصناعي ومحطات الحقن الجيولوجي — يتجه العلماء اليوم إلى حل يبدو بدائيًا للغاية، لكنه علميًا واعد إلى درجة مذهلة: دفن الخشب.

تحت هذا المفهوم، الذي يُعرف أيضًا باسم الدفن الحيوي للكتلة الخشبية (Wood Vaulting)، تُجمع الأخشاب الميتة أو المتبقية من عمليات قطع الأشجار، ثم تُدفن في تربة فقيرة بالأكسجين، بحيث يتوقف تحللها البكتيري ويتحوّل الكربون بداخلها إلى مخزون طويل الأمد.

دراسة حديثة نُشرت في دورية Nature Geoscience كشفت أن هذا النهج البسيط يمكن أن يساهم في إزالة أكثر من 12 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا — أي ما يعادل ثلث الانبعاثات الناتجة عن الأنشطة البشرية — ما سيخفض ارتفاع حرارة الأرض بأكثر من 0.35 درجة مئوية بحلول نهاية القرن.
ورغم أن هذه القيمة تبدو محدودة رقميًا، فإنها علميًا تمثل فارقًا مصيريًا بين بقاء الأنظمة البيئية الحساسة أو انهيارها، مثل الأنهار الجليدية القطبية والشعاب المرجانية.

10 ملايين رطل من الأشجار المقتولة بسبب الحرائق محملة في الغرفة. إعادة تشجير الصاري

 كيف يعمل “دفن الخشب”؟

يشرح الدكتور يي تشي لو، أستاذ النظم البيئية في جامعة كورنيل بالولايات المتحدة، أن الكوكب يحتاج إلى “خزانات كربون جديدة” لتخزين ثاني أكسيد الكربون بعيدًا عن الغلاف الجوي.
يقول:

“إذا أردنا إزالة الكربون من الهواء، فعلينا إيجاد مستودعات جديدة له في اليابسة أو المحيطات أو في طبقات الأرض العميقة.”

ويضيف أن النباتات البرية وحدها تلتقط سنويًا نحو ستة أضعاف كمية الكربون التي تنتجها انبعاثات الوقود الأحفوري، إلا أن معظم هذا الكربون يعود إلى الجو مع سقوط الأوراق وموت الأشجار. لكن حين يُدفن الخشب على عمق كافٍ — حيث تقل مستويات الأكسجين — تتوقف البكتيريا عن تحليل السليلوز واللجنين، وهما المكوّنان الرئيسيان للخشب.

بهذه الطريقة، يُحوَّل الكربون من جزء من “الدورة البيولوجية السريعة” إلى عنصر في “الدورة الجيولوجية البطيئة” التي قد تستمر آلاف السنين، تمامًا كما حُبِسَ الفحم الحجري في باطن الأرض قبل ملايين السنين.

إمكانات هائلة غير مستغلة

وفقًا للدراسة، فإن قطاع قطع الأشجار العالمي وحده ينتج كميات من الخشب كافية لتحقيق أهداف إزالة الكربون التي حددها الهيئة الحكومية الدولية لتغير المناخ (IPCC).
فكل عام، تمتص الأشجار في الغابات المخصصة للقطع نحو 170 مليار طن من الكربون، منها حوالي 14 مليار طن تُختزن في الخشب نفسه، وغالبها يُهدر في صورة فروع أو نشارة أو منتجات قصيرة العمر.

ويقول الباحثون إنه إذا جُمعت هذه المخلفات ودفنت بدلًا من حرقها أو تركها للتحلل، فيمكن احتجاز نحو 770 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون بحلول عام 2100. هذه الكمية، بحسب النماذج المناخية، كفيلة بخفض حرارة الكوكب بمقدار 0.35 درجة مئوية — وهو رقم يعادل إنقاذ ملايين الكيلومترات المربعة من الجليد البحري، وتأخير انهيار أنظمة بيئية حرجة.

 التجارب التطبيقية الأولى

اللافت أن الفكرة لم تعد حبيسة المختبرات، إذ بدأت عدة شركات ناشئة بالفعل في تنفيذها على الأرض:

  • شركة Woodcache في ولاية كولورادو الأمريكية جمعت كميات ضخمة من الأخشاب المتروكة بعد عمليات “ترقيق الغابات” المخصصة لتقليل مخاطر الحرائق. وبدلًا من حرقها في الهواء الطلق، دفنتها في حفر طينية مغلقة، ما يمنع تحللها ويمنحها استقرارًا طويل الأمد. ويُقدّر أن مشروعها الأول وحده سيمنع انبعاث أكثر من 100 ألف طن من ثاني أكسيد الكربون.

  • أما شركة Mast Reforestation، فقد دفنت أشجارًا محترقة في ولاية مونتانا ضمن مشروع يُعد الأول من نوعه في العالم، بُنيت خلاله “غرفة دفن” ضخمة قرب نهر بوتوماك تحتوي على ما يعادل 100 طن متري من ثاني أكسيد الكربون. وتُباع اعتمادات الكربون الناتجة لتمويل إعادة تشجير الأراضي المحروقة.

  • كما أسس العالم الصيني نينج زينج شركة Carbon Lockdown التي نفذت مشاريع تجريبية في شمال شرق الولايات المتحدة، وأظهرت أن الخشب المدفون في تربة طينية يبقى محفوظًا لآلاف السنين بفضل قلة الأكسجين.

ويشير زينج إلى أن فريقه اكتشف عام 2013 جذع شجرة أرز عمره 3,775 سنة ظل محفوظًا في تربة طينية دون أن يتحلل، ما يؤكد فعالية الفكرة من منظور جيولوجي.

 المراقبة والقياس… التحدي الأكبر

لكن تطبيق هذه التقنية على نطاق واسع يواجه عقبة رئيسية: التحقق من دقة حساب الكربون المحتجز فعليًا.
فكما يقول الأستاذ كيفين فينجرمان، خبير محاسبة الكربون بجامعة كاليفورنيا بوليتكنيك:

“من الصعب، بل المستحيل، معرفة ما الذي كان سيحدث لكل قطعة خشب لو لم تُدفن… لا يمكننا تحديد مصيرها بدقة مطلقة.”

ولهذا، تصمم الشركات مقابرها الخشبية لتشمل مجسات وأجهزة استشعار للميثان وثاني أكسيد الكربون تقيس الانبعاثات فوق سطح التربة. فإذا لوحظت مستويات مرتفعة، فهذا يعني أن التحلل ما زال جاريًا، مما يستدعي إعادة تصميم الموقع أو تعديله.

 مزايا عملية وحاجز أقل معارضة

تؤكد الدكتورة هولي جين باك، الباحثة في علم الاجتماع البيئي بجامعة بوفالو، أن دفن الخشب قد يحظى بقبول شعبي أكبر من مشاريع احتجاز الكربون الصناعية التي تعتمد على الأنابيب والآلات الضخمة.
فالمجتمعات الريفية، كما تقول، تميل إلى الثقة في الحلول “الطبيعية” التي لا تثير مخاوف السلامة أو التلوث. كما أن تكلفة هذه المشروعات أقل بكثير من تقنيات “الاحتجاز المباشر للهواء” (DAC)، التي قد تصل تكلفتها إلى مئات الدولارات لكل طن من الكربون.

وتضيف باك بابتسامة لافتة:

“ماذا لو كان الحل لإنقاذ الكوكب هو مجرد حفر حفرة ودفن الخشب فيها؟ فكرة يمكن لأي طفل في الروضة أن يفهمها!”


 مستقبل التقنية بين الحلم والواقعية

رغم كل هذه المؤشرات الإيجابية، لا يرى العلماء في دفن الخشب حلًا سحريًا لمشكلة المناخ. فنجاحه يعتمد على توفر مساحات أرضية واسعة، وطرق نقل فعالة للأخشاب، وضمان عدم تسرب الميثان أو تحلل الكتلة الحيوية بمرور الزمن.
لكن، وبحسب تحليل حديث، فإن تخصيص 0.1٪ فقط من الأراضي العالمية قد يكفي لتطبيق التقنية على نطاق كافٍ لإحداث تأثير ملموس في المناخ.

وفي وقت تتجه فيه مليارات الدولارات نحو تقنيات “الذكاء الصناعي المناخي” و”الاحتجاز الكهروكيميائي”، تطرح هذه الفكرة سؤالًا وجوديًا:
هل الحلول الكبرى التي نبحث عنها في السماء والآلات العملاقة… يمكن أن تكون مدفونة ببساطة تحت أقدامنا؟

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading