في ظل الارتفاع القياسي لدرجات الحرارة وزيادة معدلات الأشعة فوق البنفسجية عالميًا، عاد الجدل مجددًا حول واقيات الشمس، ليس من زاوية أهميتها، بل بسبب انتشار معلومات مضللة دفعت ملايين الأشخاص إلى تقليل استخدامها أو التوقف عنها تمامًا.
وبينما تسعى فئات، خاصة من الشباب، للحصول على سمرة مثالية، يحذر أطباء الجلد من أن هذه الممارسات قد تحمل مخاطر صحية جسيمة، تبدأ بتسارع الشيخوخة المبكرة للبشرة ولا تنتهي بزيادة احتمالات الإصابة بسرطان الجلد.
وتكشف أحدث الدراسات أن أكثر من 16 مليون بالغ قللوا أو أوقفوا استخدام واقي الشمس نتيجة مزاعم غير دقيقة متداولة عبر الإنترنت، وهو ما يعكس فجوة واضحة بين الحقائق العلمية والتصورات الشائعة.
في هذا السياق، يوضح خبراء الجلدية والكيمياء التجميلية أبرز المفاهيم الخاطئة المرتبطة بواقيات الشمس، ويقدمون رؤية علمية متكاملة لتصحيحها.
الخرافة الأولى: واقي الشمس كافٍ لحماية نفسك من الشمس
أول هذه المفاهيم يتمثل في الاعتقاد بأن واقي الشمس وحده كافٍ للحماية. ورغم أن هذه المنتجات تمثل خط الدفاع الأساسي ضد الأشعة فوق البنفسجية، فإن فعاليتها تعتمد بشكل كبير على طريقة الاستخدام.
فالمعايير المعملية التي تحدد عامل الحماية (SPF) تعتمد على وضع طبقة كثيفة من المنتج، وهي كمية لا يلتزم بها معظم المستخدمين في الواقع.
وتشير التقديرات إلى أن الأفراد يستخدمون ما بين ربع إلى نصف الكمية المطلوبة فقط، ما يقلل من مستوى الحماية الفعلي. لذلك، يؤكد الخبراء أن الحماية المثلى تتطلب نهجًا متكاملًا يشمل تجنب التعرض المباشر للشمس في ساعات الذروة، وارتداء الملابس الواقية والقبعات، إلى جانب إعادة وضع الواقي كل ساعتين.
الخرافة الثانية: واقيات الشمس الكيميائية خطيرة لأنها تُمتص في الدم
أما المفهوم الثاني، فيرتبط بالمخاوف من واقيات الشمس الكيميائية، والتي يُعتقد أنها تشكل خطرًا صحيًا بسبب امتصاصها في مجرى الدم. ورغم أن الدراسات أثبتت بالفعل حدوث هذا الامتصاص، فإن الأبحاث لم تجد دليلًا قاطعًا على وجود تأثيرات ضارة على صحة الإنسان.
ويشدد الخبراء على أن الامتصاص لا يعني بالضرورة وجود خطر، خاصة أن الدراسات التي رصدته تمت في ظروف استخدام مكثفة تفوق بكثير الاستخدام اليومي المعتاد.
وبالتالي، تبقى هذه المنتجات آمنة للاستخدام وفق المعايير الحالية، مع التأكيد على أن أفضل واقٍ شمسي هو الذي يلتزم الشخص باستخدامه بانتظام.
الخرافة الثالثة: واقيات الشمس المعدنية أفضل للبيئة
المفهوم الثالث يتعلق بالبيئة، حيث يعتقد كثيرون أن الواقيات المعدنية أكثر أمانًا للشعاب المرجانية مقارنة بالأنواع الكيميائية.
ورغم وجود دراسات أشارت إلى تأثير بعض المكونات على الكائنات البحرية، فإن هذه النتائج غالبًا ما استندت إلى تجارب معملية بتركيزات مرتفعة لا تعكس الواقع البيئي.
كما أن تقارير علمية حديثة تؤكد أن التغير المناخي وارتفاع حرارة المحيطات والصيد الجائر تمثل العوامل الرئيسية وراء تدهور الشعاب المرجانية، وليس استخدام واقيات الشمس وحده.
وبناءً عليه، لا يمكن اعتبار أي نوع من الواقيات “صديقًا للبيئة” بشكل مطلق، إذ لا تزال المسألة محل بحث علمي مستمر.
استخدام واقي الشمس يمنعك من الحصول على ما يكفي من فيتامين د.
أما الاعتقاد الرابع، فيدور حول تأثير واقي الشمس على إنتاج فيتامين “د”. فبينما تعتمد عملية إنتاج هذا الفيتامين على التعرض لأشعة الشمس، تشير الدراسات إلى أن الاستخدام الواقعي لواقيات الشمس لا يمنع الجسم من إنتاجه بشكل كافٍ.
ويرجع ذلك إلى أن معظم الأشخاص لا يطبقون الواقي بالكميات المثالية، ما يسمح بمرور جزء من الأشعة.
وحتى في الحالات التي قد ينخفض فيها مستوى الفيتامين بشكل طفيف، لم تثبت الأبحاث وجود آثار صحية سلبية مرتبطة بذلك، مثل ضعف العظام. ويوصي الخبراء بالحصول على فيتامين “د” من مصادر غذائية أو مكملات غذائية بدلًا من التعرض غير الآمن لأشعة الشمس.
واقي الشمس المعدني والكيميائي يعملان بشكل مختلف تماماً
المفهوم الخامس والأخير يتمثل في الاعتقاد بأن الواقيات المعدنية والكيميائية تعمل بآليات مختلفة تمامًا، حيث يُشاع أن الأولى تعكس الأشعة بينما تمتصها الثانية.
غير أن الأبحاث الحديثة أثبتت أن كلا النوعين يعملان بشكل متقارب، إذ يقومان أساسًا بامتصاص الأشعة فوق البنفسجية وتحويلها إلى حرارة، مع وجود نسبة ضئيلة فقط من الانعكاس في الواقيات المعدنية.
وبالتالي، فإن الاختيار بين النوعين يجب أن يعتمد على راحة المستخدم وملاءمة المنتج لبشرته، وليس على فروق جوهرية في آلية العمل.
في ضوء هذه الحقائق، يؤكد الخبراء أن التحدي الحقيقي لا يكمن في نقص المنتجات أو الخيارات، بل في تصحيح المفاهيم وتعزيز الوعي بالاستخدام الصحيح.
فمع تنوع أشكال واقيات الشمس وتطور تركيباتها، أصبح من الممكن لكل شخص إيجاد المنتج المناسب له، سواء من حيث القوام أو المكونات أو طريقة التطبيق.
وفي النهاية، تظل الرسالة الأساسية واضحة: واقي الشمس ليس رفاهية تجميلية، بل ضرورة صحية يومية.
والاستخدام المنتظم، إلى جانب وسائل الحماية الأخرى، يمثل خط الدفاع الأول ضد أضرار الشمس، ويحافظ على صحة الجلد على المدى الطويل، في وقت تتزايد فيه التحديات البيئية والمناخية التي تضاعف من مخاطر التعرض للأشعة الضارة.
