وزير الري يحسم موقف مصر: سد النهضة غير شرعي بصورته الحالية.. ونرفض تشغيله دون اتفاق ملزم
سويلم: لا سيادة مطلقة على نهر دولي مشترك.. مصر لا تريد إدارة سد النهضة
جدد وزير الموارد المائية والري د.هاني سويلم موقف مصر الرافض لشرعية سد النهضة الإثيوبي بصورته الحالية، محذرًا من اتخاذ أديس أبابا خطوات أحادية جديدة يمكن أن تضر بحقوق الدول المتشاركة في مياه النيل.
وأكد سويلم، في تصريحات نقلتها قناة العربية، أن مصر لا تعارض حق إثيوبيا في التنمية أو الاستفادة من مواردها المائية، لكنها ترفض أن يتحول بناء سد ضخم على نهر دولي مشترك إلى أمر واقع يجري تشغيله دون قواعد قانونية ملزمة تنظم عمليات الملء والتشغيل، خصوصًا خلال فترات الجفاف والجفاف الممتد.
ويأتي الموقف المصري في وقت لا تزال فيه المفاوضات بين مصر والسودان وإثيوبيا بشأن قواعد تشغيل سد النهضة تراوح مكانها، رغم توقيع الدول الثلاث إعلان مبادئ في مارس 2015 تضمن عشرة مبادئ، من بينها عدم التسبب في ضرر ذي شأن، والتعاون بشأن الملء الأول والتشغيل السنوي، وتبادل البيانات والمعلومات، وتسوية النزاعات سلميًا.
إعلان المبادئ.. ماذا وقعت عليه مصر في 2015؟
أوضح سويلم أن توقيع مصر على إعلان المبادئ عام 2015 لم يكن توقيعًا على اتفاق نهائي يحدد بصورة تفصيلية قواعد تشغيل سد النهضة، وإنما كان إطارًا للتعاون وخارطة طريق للوصول إلى اتفاق بشأن قواعد الملء والتشغيل.
وينص إعلان المبادئ بالفعل على تعاون الدول الثلاث للوصول إلى قواعد للملء الأول للسد، ووضع إرشادات وسياسات للتشغيل السنوي، مع إبلاغ دولتي المصب بأي ظروف طارئة تستدعي تغيير عمليات التشغيل، بما يتيح التنسيق مع خزانات المياه في دول المصب. كما يتضمن الإعلان مبدأ تبادل المعلومات والبيانات بين الدول الثلاث.
وقال سويلم إن الجانب الإثيوبي لم يطبق ما تعتبره مصر الالتزامات الواردة في الإعلان، معتبرًا أن غياب آلية دائمة للتنسيق وتبادل البيانات أدى إلى مشكلات فعلية لمصر والسودان.
غياب التنسيق يثير مخاوف بشأن السدود السودانية
وأشار وزير الري المصري إلى واقعة سابقة قال فيها إن إثيوبيا أطلقت كميات كبيرة من المياه بصورة مفاجئة، ما كاد يؤدي إلى أضرار جسيمة بالسدود السودانية.
وتستند المخاوف المصرية والسودانية إلى طبيعة سد النهضة وحجم التخزين الكبير خلفه، إذ ترى القاهرة أن تشغيل منشأة بهذا الحجم على النيل الأزرق دون قواعد واضحة وملزمة لتبادل البيانات والتنسيق يمكن أن يزيد المخاطر خلال فترات الجفاف أو عند حدوث ظروف تشغيلية استثنائية.
ولهذا، تتمسك مصر بضرورة وجود اتفاق قانوني ملزم يحدد قواعد الملء والتشغيل، وآليات التعامل مع سنوات الجفاف والجفاف الممتد، إلى جانب آلية واضحة للتنسيق وفض النزاعات.
«لا سيادة مطلقة» على نهر دولي
ورفض سويلم الطرح القائل بوجود سيادة إثيوبية مطلقة على النيل الأزرق، معتبرًا أن التعامل مع النهر باعتباره موردًا يمكن لدولة واحدة التصرف فيه بصورة منفردة لا يتفق، من وجهة نظر القاهرة، مع طبيعة الأنهار الدولية والقواعد المنظمة لاستخدام الموارد المائية المشتركة.
وقال إن هناك فرقًا بين إقامة سد على نهر داخلي يخضع بالكامل لسيادة الدولة، وبين إقامة منشأة ضخمة على مجرى مائي دولي تتشارك مياهه عدة دول.
وتستند مصر في هذا الطرح إلى مبادئ القانون الدولي المتعلقة باستخدام الأنهار الدولية، بينما تؤكد إثيوبيا من جانبها أن لديها حقوقًا في استغلال مواردها المائية لأغراض التنمية والطاقة.
وكانت إثيوبيا قد قدمت في رسائلها إلى مجلس الأمن موقفًا مختلفًا بشأن تنفيذ إعلان المبادئ، وقالت إنها اتخذت خطوات للوفاء بالتزاماتها بموجب الاتفاق، في حين حملت مصر مسؤولية تعثر المفاوضات. ويكشف ذلك عن استمرار الخلاف بين البلدين ليس فقط حول التشغيل، وإنما أيضًا حول تفسير الالتزامات التي نتجت عن إعلان 2015.
مصر: لا نريد السيطرة على السد
وشدد وزير الري على أن المطلب المصري لا يتمثل في تولي إدارة سد النهضة أو منع إثيوبيا من الاستفادة من الكهرباء التي ينتجها، وإنما في وضع قواعد قانونية ومؤسسية واضحة تضمن ألا يؤدي تشغيل السد إلى الإضرار بمصالح دولتي المصب.
وقال إن مصر لا تدعو إلى العنف، وإنما إلى التعاون وتفعيل الخيارات السلمية والاستفادة من مصادر الطاقة المتعددة في حوض النيل، مؤكدًا أن القاهرة تريد إطارًا قانونيًا للتعاون وليس إدارة السد الإثيوبي.
وهذه النقطة مهمة في فهم الموقف المصري؛ فالقاهرة تفرق بين الاعتراض على طريقة إدارة منشأة مائية ضخمة على نهر دولي وبين الاعتراض على حق إثيوبيا في التنمية أو إنتاج الكهرباء.
لماذا توافق مصر على سدود في دول أخرى؟
ورفض سويلم الاتهامات بأن مصر تعارض مشروعات التنمية المائية في إفريقيا، مشيرًا إلى أن القاهرة وافقت على مشروعات مائية في إثيوبيا وأوغندا، كما دعمت مشروع جراند فولا في جنوب السودان.
وفي أحدث موقف بشأن المشروع، أوضح سويلم أن سد جراند فولا تمت مناقشته من خلال مؤسسات مبادرة حوض النيل وبرنامج الاستثمار وآليات التعاون وتبادل المعلومات والتشاور، مؤكدًا دعم مصر لجنوب السودان في تحقيق أهدافه التنموية.
كما أكد أن المشروعات المائية لا تُقاس فقط بوجود سد من عدمه، وإنما بمدى الالتزام بالقواعد التي تحكم الأنهار المشتركة، والدراسات الفنية، وتبادل المعلومات والتشاور بين الدول المتشاطئة.
«جراند فولا» ليس «سد النهضة»
ويعكس هذا التفريق جوهر الحجة المصرية التي يطرحها وزير الري: القاهرة تقول إنها لا ترفض السدود باعتبارها مشروعات تنموية، وإنما تعترض على الإجراءات الأحادية عندما ترى أنها قد تؤثر في حقوق دول أخرى على النهر الدولي.
وفي حالة جراند فولا، قال سويلم إن المشروع خضع للنقاش داخل أطر مبادرة حوض النيل، وإن الدراسات الهيدرولوجية أظهرت، وفق التقييم المصري، أن آثاره المائية يمكن تحملها.
أما سد النهضة، فتعتبر مصر أن حجمه وطريقة ملئه وتشغيله والآثار المحتملة على تدفقات النيل الأزرق تجعل الوصول إلى اتفاق ملزم بشأن تشغيله ضرورة لا يمكن تجاوزها.
أزمة السد تتجاوز حصة المياه
ولا تقتصر المخاوف المصرية على كمية المياه التي تصل إلى البلاد.
فالقاهرة تربط ملف سد النهضة أيضًا بالأمن الغذائي، واستقرار الزراعة، وقدرة منظومة السد العالي على إدارة الموارد المائية، بينما ترتبط المخاوف السودانية بصورة خاصة بسلامة وتشغيل السدود والمنشآت المائية الموجودة على مجرى النيل.
ولهذا أصبحت قواعد التشغيل خلال سنوات الجفاف من أكثر النقاط حساسية في النزاع.
ففي السنوات العادية قد يكون الخلاف حول توزيع المياه أقل حدة، لكن في سنوات الجفاف الشديد تصبح طريقة تشغيل السدود وتوقيت إطلاق المياه وكميات التصريف والتنسيق بين الخزانات عوامل حاسمة في حماية السكان والزراعة والمنشآت المائية.
أين يقف النزاع الآن؟
تؤكد مصر أن الحل المطلوب هو اتفاق قانوني ملزم بشأن قواعد ملء وتشغيل سد النهضة، بينما تؤكد إثيوبيا حقها في استخدام مواردها المائية لأغراض التنمية، وتقدم تفسيرًا مختلفًا لالتزاماتها بموجب إعلان المبادئ.
أما السودان، فيحتل موقعًا بالغ الحساسية في المعادلة، بحكم وجوده مباشرة بين السد الإثيوبي ومصر، وارتباط سلامة منشآته المائية وطريقة إدارة المياه بالتنسيق مع سد النهضة.
وتُظهر الوثائق المتاحة أن إعلان مبادئ 2015 وضع بالفعل إطارًا للتعاون في الملء والتشغيل وتبادل البيانات وتسوية النزاعات، لكنه لم يتحول إلى اتفاق تفصيلي نهائي بشأن جميع قواعد التشغيل التي تطالب مصر بوضعها اليوم.
وبذلك، فإن جوهر الأزمة لم يعد متعلقًا فقط ببناء السد، الذي دخل بالفعل مرحلة التشغيل، وإنما بالسؤال الأكثر حساسية: من يضع قواعد تشغيله عندما تتراجع مياه النيل ويضرب الجفاف دول الحوض؟
وهذا هو الملف الذي لا تزال القاهرة تعتبره مفتوحًا، وتربط إنهاءه بالتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم يضمن التنسيق ويحمي مصالح دول النيل المتشاطئة.





