أخبارالاقتصاد الأخضر

هل تعيد إفريقيا توطين رأس مالها؟ دعوات لتحويل 1.2 تريليون دولار إلى الداخل بدل الخارج

إفريقيا تموّل الغرب.. وخبراء يطالبون بإعادة مليارات الاحتياطيات لإنقاذ التنمية

تشهد القارة الإفريقية جدلًا اقتصاديًا واسعًا حول مستقبل مواردها المالية، في ظل دعوات متزايدة لإعادة توطين رؤوس الأموال الإفريقية داخل القارة بدلًا من استمرار تدفقها إلى الأسواق الغربية، حيث تتحول هذه الأموال إلى أدوات تمويل منخفضة العائد في الخارج، بينما تعود إلى إفريقيا مرة أخرى في صورة ديون مرتفعة التكلفة.

وتكشف تحليلات اقتصادية حديثة، أن إفريقيا تقوم فعليًا بتمويل الاقتصادات المتقدمة، إذ تحتفظ البنوك المركزية الإفريقية باحتياطيات تُقدّر بنحو 530 مليار دولار مودعة خارج القارة، غالبًا في أدوات مالية آمنة مثل سندات الخزانة الأمريكية، التي تحقق عائدًا يقارب 3.5% فقط سنويًا.

في المقابل، تعود هذه الأموال إلى الدول الإفريقية عبر قنوات تمويل مختلفة، أبرزها السندات السيادية الأوروبية (Eurobonds)، التي تصدرها الحكومات الإفريقية بأسعار فائدة مرتفعة تتراوح بين 9% و15%، ما يخلق فجوة تمويلية ضخمة تتحملها الاقتصادات الإفريقية.

وبحسب التقديرات، فقد جمعت الدول الإفريقية أكثر من 200 مليار دولار من خلال هذه السندات منذ عام 2003، في حين تتزايد كلفة خدمة الدين بشكل يضغط على ميزانيات التنمية والبنية التحتية.

ثروة مالية ضخمة لكنها لا تستثمرها داخليًا

تشير البيانات إلى أن الصناديق السيادية في 20 دولة إفريقية تدير أصولًا تتجاوز 109 مليارات دولار، بينما يبلغ إجمالي الأصول ذات الأصل الإفريقي نحو 1.2 تريليون دولار، في حين تقدّر مؤسسة “أفريكا فاينانس كوربوريشن” حجم القاعدة المالية المحلية في القارة بنحو 4 تريليونات دولار، تشمل المدخرات والودائع والاحتياطيات والتأمينات.

ورغم هذا الحجم الكبير من السيولة، فإن إفريقيا لا تزال تعاني فجوة تمويل سنوية تُقدّر بنحو 280 مليار دولار، مطلوبة لتمويل مشاريع البنية التحتية مثل الطرق والطاقة والموانئ والسكك الحديدية والتصنيع.

تمويل البلدان منخفضة الدخل على أن تصبح أكثر مرونة
تمويل البلدان منخفضة الدخل على أن تصبح أكثر مرونة

نظام مالي عالمي يعيد تدوير رأس المال خارج إفريقيا

يرى خبراء، أن المشكلة لا تكمن في نقص الأموال، بل في بنية النظام المالي نفسه، الذي يدفع رؤوس الأموال الإفريقية إلى الخارج بحكم القواعد التنظيمية ومعايير التصنيف الائتماني.

فالبنوك المركزية وصناديق الاستثمار الإفريقية مُلزمة بالاستثمار في أدوات مالية تُصنف على أنها “آمنة” وفق وكالات التصنيف العالمية مثل موديز وستاندرد آند بورز وفيتش، ما يجعل معظم الأصول الإفريقية خارج نطاق “الأصول الاستثمارية الآمنة”.

هذا الوضع يؤدي إلى ما يشبه “تسربًا ماليًا منظمًا”، حيث تغادر الأموال القارة لتستقر في الأسواق الغربية، ثم تعود مجددًا إلى إفريقيا في صورة قروض مرتفعة التكلفة.

تمويل البلدان منخفضة الدخل على أن تصبح أكثر مرونة
تمويل البلدان منخفضة الدخل على أن تصبح أكثر مرونة

دعوات لإعادة هيكلة النظام المالي الإفريقي

في المقابل، تتصاعد الدعوات داخل القارة لإعادة بناء نظام مالي إفريقي أكثر استقلالية، يسمح بإعادة توجيه جزء من الاحتياطيات إلى مؤسسات تمويل داخلية قارية، بما يساهم في:
• تعميق الأسواق المالية المحلية
• تعزيز السيادة الاقتصادية
• تقليل الاعتماد على المراكز المالية الخارجية
• خفض تكلفة الاقتراض على الدول الإفريقية
وقد طُرحت نماذج عملية بالفعل، أبرزها برنامج الإيداع لدى بنك أفريكسيم، الذي أُطلق عام 2014، ونجح في تعبئة أكثر من 44 مليار دولار، بعوائد تتراوح بين 6% و6.5%، وهي أعلى بكثير من العوائد المحققة في الأسواق الغربية.

تمويل البلدان منخفضة الدخل على أن تصبح أكثر مرونة
تمويل البلدان منخفضة الدخل على أن تصبح أكثر مرونة

تحول سياسي تدريجي داخل القارة

في تطور لافت، دعا قادة من دول مثل غانا وكينيا وزامبيا إلى إعادة توجيه الاحتياطيات الإفريقية نحو مؤسسات داخل القارة.

كما أقر الاتحاد الإفريقي في عام 2024 قرارًا يدعو الدول الأعضاء إلى إعادة استثمار جزء من احتياطياتها داخل إفريقيا، في خطوة وُصفت بأنها تحول استراتيجي في فلسفة إدارة الموارد المالية للقارة.

وتشير بعض التقارير إلى أن جزءًا من أصول الاتحاد الإفريقي نفسه قد تم بالفعل إعادة توجيهه إلى مؤسسات مالية إفريقية.

تمويل البلدان منخفضة الدخل على أن تصبح أكثر مرونة
تمويل البلدان منخفضة الدخل على أن تصبح أكثر مرونة

التحدي الحقيقي

يرى الخبراء، أن العقبة الأساسية ليست مالية بل مفاهيمية، حيث يعتمد النظام الحالي على تعريفات “المخاطر” التي تضع الأصول الإفريقية في مرتبة أدنى تلقائيًا، حتى في بعض الحالات التي تكون فيها مستقرة.

ولذلك، تُطرح مبادرات لإنشاء وكالة تصنيف ائتماني إفريقية، إلى جانب إصلاحات تنظيمية تسمح باستخدام الاحتياطيات الإفريقية داخل القارة دون اعتبارها خروجًا عن المعايير الدولية.

نحو نظام مالي إفريقي جديد؟

تؤكد التحليلات أن إفريقيا تمتلك بالفعل قاعدة مالية ضخمة، لكن المشكلة تكمن في طريقة إدارة هذه الموارد وتوجيهها.
ويشير الخبراء إلى أن أي تحول حقيقي يتطلب:
• تحديث قواعد إدارة الاحتياطيات
• الاعتراف بتصنيفات ائتمانية محلية
• تطوير سوق سندات إفريقي عميق
• السماح بحرية أكبر في حركة رؤوس الأموال داخل القارة

وفي حال نجاح هذه التحولات، يمكن لإفريقيا أن تقلص فجوة التمويل السنوية البالغة 280 مليار دولار بشكل كبير، وأن تبدأ مرحلة جديدة من الاعتماد على الذات المالي.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading