هل تضر الأنظمة الغذائية الغنية بالبروتين بصحة الأمعاء؟ بياض البيض في قفص الاتهام
الباحثون: البروتين ليس واحدًا.. تغييرات ميكروبية مفاجئة حسب مصدره
ما الذي تفعله الأنظمة الغذائية الغنية بالبروتين حقًا بأمعائك؟
لا ينبغي اتباع نهج واحد يناسب الجميع فيما يتعلق بالبروتين الغذائي
تؤثر البكتيريا والفطريات والميكروبات المعوية الأخرى التي تستعمر أمعاء الحيوانات على كل شيء، بدءًا من الهضم وحتى المناعة، ومع ذلك لا يزال العلماء يعرفون القليل، بشكل مدهش، عن كيفية إعادة تشكيل الأطعمة اليومية لهذا النظام البيئي الداخلي.
تُظهر دراسة جديدة أن تغيير المصدر الرئيسي للبروتين الغذائي يمكن أن يُزعزع عضوية ووظائف التمثيل الغذائي لميكروبيوم الأمعاء في غضون أسبوع واحد فقط.
وقد تساعد هذه الدراسة، التي نُشرت في مجلة ISME وقادتها جامعة ولاية كارولاينا الشمالية بقيادة ألفريدو بلاكلي رويز وزملائه، في الكشف عن سبب ارتباط الأنظمة الغذائية الحديثة باضطرابات الجهاز الهضمي المزمنة، كما قد تشير إلى الطريق نحو استراتيجيات علاجية أو وقائية جديدة.

استجابة الأمعاء للبروتين
ولعزل تأثير مصدر البروتين وحده، قام الباحثون بإطعام الفئران سلسلة من الأنظمة الغذائية المحددة للغاية، والتي كانت متطابقة في محتوى الدهون والكربوهيدرات والألياف والمعادن، لكنها اختلفت في عنصر واحد: مصدر البروتين. كل سبعة أيام، كان البروتين الوحيد يأتي إما من بياض البيض، أو الأرز البني، أو فول الصويا، أو الخميرة.
بعد كل مرحلة غذائية، قام الفريق بتحليل محتويات الأمعاء باستخدام تقنية “الميتاجينوميات-البروتينات المتكاملة”، والتي تجمع بين تسلسل الحمض النووي ومطياف الكتلة عالي الدقة. تتيح هذه التقنية تحديد الأنواع الميكروبية الموجودة والبروتينات التي تنتجها هذه الميكروبات في آن واحد، مما يوفر نافذة نادرة على الوظائف الفعلية لهذا المجتمع الميكروبي بدلاً من مجرد إمكاناته.
وأشار بلاكلي رويز إلى وجود خلل ما في ما نتناوله اليوم، قائلاً: “لسنا قريبين حتى من معرفة ما هو هذا الخلل”. وأضاف: “أراد مختبرنا معرفة كيف تؤثر الأنظمة الغذائية المختلفة على الكائنات الدقيقة في الأمعاء، ومعرفة ما تفعله هذه الميكروبات، وظيفيًا، استجابةً لهذا النظام الغذائي”.
إعادة ترتيب المجتمعات الميكروبية
كشفت النتائج عن تقلبات ملحوظة؛ إذ حفّز كل مصدر بروتيني جديد تغيّرًا كبيرًا في عضوية الميكروبات، إلا أن ثلاثة مصادر غذائية — بياض البيض، الأرز البني، والخميرة — كانت الأكثر تأثيرًا في هذه التحولات.
وأوضح بلاكلي رويز أن “تركيبة ميكروبيوم الأمعاء تغيرت بشكل كبير في كل مرة قمنا فيها بتغيير مصدر البروتين”. لم يقتصر الأمر على ازدهار بعض الأنواع الثانوية إلى حد الهيمنة، بل إن مسارات أيضية بأكملها تم تشغيلها أو إيقافها، مما يشير إلى أن الميكروبات كانت تعيد تجهيز آلياتها الكيميائية الحيوية بسرعة لاستغلال المشهد الغذائي الجديد.
الأحماض الأمينية والسكريات المعقدة
عندما قارن العلماء البروتينات الميكروبية الناتجة عن الأنظمة الغذائية المختلفة، أظهرت فئتان وظيفيتان أكبر التحولات.
الأولى كانت متوقعة، وهي استقلاب الأحماض الأمينية. نظرًا لأن البروتينات تُبنى من الأحماض الأمينية، تستجيب الميكروبات للتدفق الجديد عن طريق تصنيع المزيد من الإنزيمات التي تعمل على معالجة الأحماض الأمينية، أو تقليل الإنتاج إذا كانت الأحماض الأمينية متوفرة وجاهزة.
في الفئران التي تغذّت على بياض البيض أو الأرز البني، لاحظ الفريق زيادة ملحوظة في الإنزيمات التي تكسر الأحماض الأمينية، ما يشير إلى أن الميكروبات المعوية كانت تستخرج هذه اللبنات الأساسية مباشرة من النظام الغذائي بدلاً من تصنيعها داخليًا.
وحذر بلاكلي رويز من أن هذا التدهور قد يكون منطقيًا من الناحية البيولوجية، لكنه قد يحمل عواقب خفية، لأن بعض المنتجات الثانوية لتحلل الأحماض الأمينية يمكن أن تصبح سامة، أو تؤثر على إشارات الدماغ عبر محور الأمعاء-الدماغ.

تغييرات جذرية في ميكروبيوم الأمعاء
أما التحول الثاني فكان مفاجئًا: تغييرات كبيرة في الإنزيمات التي تُحلل الجليكانات، وهي سلاسل متفرعة من جزيئات السكر التي تُزين العديد من البروتينات.
الأنظمة الغذائية الغنية بالصويا، والأرز، والخميرة — وخصوصًا بياض البيض — عززت بشكل ملحوظ إنتاج هذه الإنزيمات، في بعض الحالات بشكل كبير.
قال بلاكلي رويز: “قد يكون لهذا أهمية صحية بالغة”. ففي مجموعة بياض البيض، تزايد نشاط نوع بكتيري واحد وفعّل مجموعة واسعة من جينات تحلل الجليكان.
وأظهرت الاختبارات المخبرية أن هذا النوع البكتيري أظهر سلوكًا مشابهًا في الإنزيمات عندما نُمي في وجود المخاط — وهو مزيج زلق من البروتين والسكر يُغلف بطانة الأمعاء ويحميها.

تآكل الحاجز الوقائي للأمعاء
وبما أن سكريات المخاط تُشبه تلك الموجودة في البروتينات الغذائية، فإن الميكروبات التي تتعلم تحليل الجليكانات الموجودة في بياض البيض قد تهاجم أيضًا طبقة المخاط في أمعاء الكائن المضيف، مما يعرض الحاجز الوقائي للخطر، ويفتح الباب أمام الالتهابات ومسببات الأمراض.
وقال بلاكلي رويز: “أنا متحمس لاستكشاف هذا الارتباط المحتمل بين تناول بياض البيض والتعبير عن إنزيمات تحلل الجليكان وتأثيرها على المخاط في دراساتنا المستقبلية”.
اتجاهات البحث المستقبلية
أكد مانويل كلاينر، الأستاذ المشارك في علم النبات والميكروبات والمؤلف المشارك في الدراسة، أن الأنظمة الغذائية المُنقّاة المستخدمة في التجربة كانت مُصممة عمدًا، وأن الوجبات الحقيقية عادةً ما تحتوي على مصادر بروتين متعددة ومغذيات قد تُعدل التأثيرات المرصودة.
ومع ذلك، يُسلّط هذا البحث الضوء على بياض البيض كمُعدِّل “متطرف” لسلوك الميكروبات المعوية، ويمهّد الطريق لتجارب مستقبلية تمزج البروتينات بنسب أقرب إلى الواقع.
وأوضح كلاينر: “تُظهر دراستنا ليس فقط أنواع البكتيريا الموجودة في ميكروبيوم الأمعاء ومدى وفرتها، بل وأيضًا ما تفعله فعليًا”. ومن خلال رسم خريطة لمجموعات الإنزيمات التي تستخدمها الميكروبات لتحليل البروتينات المختلفة، أنشأ الباحثون كتالوجًا للاستجابات الأيضية التي يمكن الاستفادة منها لاحقًا في تصميم أنظمة غذائية دقيقة أو مكملات بروبيوتيك.

التغذية التي تدعم صحة الأمعاء
تأتي هذه النتائج في ظل اهتمام متزايد بكيفية تأثير النظام الغذائي على ميكروبيوم الأمعاء، وبالتالي على صحة الإنسان.
تُصيب أمراض الجهاز الهضمي، مثل متلازمة القولون العصبي وداء الأمعاء الالتهابي، ملايين الأشخاص حول العالم، ويُبلغ العديد من المرضى عن تفاقم أعراض مرتبطة بتناول أطعمة معينة.
مع ذلك، ظلت التفسيرات الآلية لهذه الظواهر بعيدة المنال. لكن بكشف أن مصدر البروتين وحده قادر على إعادة برمجة المجتمعات الميكروبية في غضون أيام — مما يُغير تحلل الأحماض الأمينية وربما يُزيل المخاط الواقي — يُقدم فريق جامعة ولاية كارولاينا الشمالية أدلة جديدة لفهم هذا اللغز.
قد تُحدد الدراسات الإضافية على الحيوانات والبشر ما إذا كانت بعض الأطعمة الغنية بالبروتين تُساهم في الإصابة بالأمراض من خلال دفع الميكروبيوم نحو مسارات تحليل المخاط وإنتاج السموم، وما إذا كانت البروتينات البديلة أو مكملات الألياف المصممة خصيصًا قادرة على إعادة الأمعاء إلى حالة أكثر صحة.
وبحسب الباحثين، لا ينبغي اتباع نهج واحد يناسب الجميع فيما يتعلق بالبروتين الغذائي، إذ إن فهم كيفية تأثير البروتينات المختلفة على عملية الأيض الميكروبي يمثل خطوة أولى نحو تغذية شخصية تدعم صحة الأمعاء، بدلاً من أن تُضعفها.





