حملة توعوية جديدة لتقليل هدر الغذاء في مصر خلال شهر رمضان
91 كيلو جرامًا للفرد سنويًا.. الفاو تدق ناقوس الخطر بشأن هدر الطعام في مصر
في ظل تصاعد الضغوط على منظومة الأمن الغذائي عالميًا ومحليًا، أطلقت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، بالتعاون مع بنك الطعام المصري، حملة توعوية موسعة تستهدف الحد من هدر الطعام خلال شهر رمضان، بالتنسيق مع وحدة رصد وتقييم فاقد وهدر الغذاء التابعة لمعهد بحوث الاقتصاد الزراعي بوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي.
وتأتي الحملة للعام الثاني على التوالي، في إطار توجه استراتيجي يربط بين تغيير السلوك الاستهلاكي وتعزيز الاستدامة، خاصة في مواسم الذروة الاستهلاكية التي تشهد ارتفاعًا ملحوظًا في معدلات الفاقد والهدر.
أرقام مقلقة: 91 كيلوجرامًا للفرد سنويًا
تشير تقديرات المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية إلى أن متوسط هدر الغذاء للفرد في مصر يبلغ نحو 91 كيلوجرامًا سنويًا.
وترتفع هذه النسبة خلال المناسبات والأعياد، حيث يتم التخلص من ما لا يقل عن 60% من الطعام الصالح للاستهلاك.
كما أظهرت دراسة للفاو أن نسب الفاقد والهدر في سلاسل الإمداد الغذائي في مصر تصل سنويًا إلى:
- نحو 50% من الخضروات والفاكهة
- 40% من الأسماك
- 30% من الألبان والقمح
هذه المؤشرات لا تعكس فقط خسائر اقتصادية جسيمة، بل تشير أيضًا إلى خلل هيكلي في كفاءة سلاسل القيمة الغذائية، بدءًا من الحصاد وحتى الاستهلاك النهائي.

البعد العالمي: أزمة ممتدة في منظومات الغذاء
على الصعيد الدولي، تؤكد بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة أن نحو 931 مليون طن من الغذاء، أي ما يعادل 17% من إجمالي الغذاء المتاح للمستهلكين، تم إهداره في عام 2019.
ويتوزع هذا الهدر بين:
- 10% من قبل الأسر
- 5% من قطاع خدمات الأغذية
- 2% من منافذ البيع بالتجزئة
كما يُفقد نحو 14% من الإنتاج الغذائي عالميًا خلال مراحل ما بعد الحصاد، ما يبرز أهمية التدخل المبكر في حلقات السلسلة الغذائية.
هدر الغذاء وتغير المناخ: حلقة مترابطة
لا يقتصر تأثير الهدر على الأمن الغذائي فقط، بل يمتد إلى المناخ والموارد الطبيعية. إذ يسهم تحلل الغذاء في مكبات النفايات في انبعاث غاز الميثان، أحد أقوى الغازات الدفيئة المسببة للاحتباس الحراري.
وأوضح محسن سرحان، الرئيس التنفيذي لبنك الطعام المصري، أن اشتعال النفايات العضوية داخل المدافن يولد انبعاثات خطرة، مشيرًا إلى أن تغيير ثقافة الاستهلاك أصبح ضرورة لحماية الموارد وضمان حقوق الأجيال القادمة.

أبعاد اقتصادية واجتماعية
في عام 2022 وحده، تمكن بنك الطعام المصري من جمع 87.8 طنًا من فائض الطعام من المطاعم والشركات، وهو ما كان كافيًا لإطعام 219,567 شخصًا، إضافة إلى 2.5 طن من مخلفات الفنادق ساهمت في إطعام 6,485 شخصًا آخرين.
تعكس هذه الأرقام فجوة واضحة بين فائض الطعام من جهة، واحتياجات الفئات الأكثر هشاشة من جهة أخرى، ما يؤكد أن معالجة الهدر ليست مسألة بيئية فقط، بل قضية عدالة اجتماعية أيضًا.
رمضان كفرصة لتغيير السلوك
أكد ممثل الفاو في مصر، أن شهر رمضان يمثل فرصة استراتيجية لتعديل أنماط الشراء والاستهلاك، خاصة في ظل الأزمات المتلاحقة، ومنها تداعيات الحرب الروسية-الأوكرانية على سلاسل الإمداد الغذائي.
وأشار إلى أن نسب الفاقد في الخضروات والفاكهة تتراوح بين 45% و55% من الإنتاج السنوي في مصر، ما يستدعي تدخلات على جميع المستويات: الإنتاج، التخزين، النقل، التصنيع، والتسويق، إضافة إلى توعية المستهلك.
نهج سلاسل القيمة: من الحقل إلى المائدة
سبق أن نفذت الفاو مشروعًا متكاملًا للحد من فاقد وهدر الغذاء في مصر بتمويل من الوكالة الإيطالية للتعاون الإنمائي، ركز على تطوير سلاسل القيمة الغذائية، خاصة في مراحل ما بعد الحصاد والتصنيع والتسويق.

ويعتمد هذا النهج على:
- – تحسين تقنيات التخزين والتعبئة
- – تقليل الفاقد أثناء النقل
- – دعم المزارعين بالممارسات الجيدة
- – تعزيز كفاءة الأسواق المحلية
وهو ما ينسجم مع أهداف التنمية المستدامة، لا سيما الهدف 12 المعني بأنماط الاستهلاك والإنتاج المسؤولين.
حملة رقمية لتغيير الثقافة الاستهلاكية
تعتمد الحملة الرمضانية الحالية على نشر رسائل توعوية يومية عبر منصات التواصل الاجتماعي، تقدم نصائح عملية لإعادة استخدام بقايا الطعام، وترشيد الشراء، والتخطيط للوجبات، وتجنب الإفراط في الاستهلاك.
وتهدف الحملة إلى الانتقال من مجرد التوعية النظرية إلى إحداث تغيير فعلي في السلوك، من خلال مخاطبة الأسرة المصرية بلغة بسيطة مدعومة بالأرقام والحقائق.
بين الأمن الغذائي والاستدامة
في ظل تنامي معدلات الفقر الغذائي عالميًا، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وتزايد آثار تغير المناخ، يصبح تقليل فاقد وهدر الغذاء أحد أكثر التدخلات فاعلية من حيث التكلفة لتحقيق الأمن الغذائي.
فكل كيلو جرام يتم إنقاذه من الهدر يعني:
- تقليل الضغط على الموارد الطبيعية
- خفض الانبعاثات
- توفير غذاء إضافي دون الحاجة لزيادة الإنتاج
- دعم الفئات الأكثر احتياجًا
رمضان، إذًا، ليس فقط شهرًا للامتناع عن الطعام، بل فرصة لإعادة التفكير في علاقتنا بالغذاء، وتحويل ثقافة الاستهلاك من الإسراف إلى المسؤولية، ومن الهدر إلى الاستدامة.





