في نهاية عام 2025، استقبلت أستراليا أول مجموعة من المهاجرين المناخيين المعترف بهم رسميًا في التاريخ، وهم مواطنون من دولة توفالو في المحيط الهادئ، جاءوا بموجب تأشيرات خاصة تمنحهم الحق في العمل، والتعليم، والحماية الاجتماعية.
هذا الحدث شكّل سابقة تاريخية، إذ لا يزال القانون الدولي لا يعترف رسميًا بوضع “اللاجئ المناخي”، على الرغم من أن نحو 218 مليون شخص قد انتقلوا خلال العقد الماضي نتيجة لعوامل مناخية.
ومع استمرار ارتفاع درجات حرارة الأرض، من المتوقع أن تتضاعف أعداد هؤلاء الأشخاص، ما يضع الحكومات أمام تحدٍ مستقبلي عاجل لإدارة موجات الهجرة الجديدة.
العالم الأول: توفالو نموذجًا
في ديسمبر 2025، هبطت طائرة في مطار بريزبان على الساحل الشرقي لأستراليا، حاملة ثلاثة مواطنين من توفالو: قس، وسائق شاحنة، وطبيب أسنان، حصل هؤلاء على تأشيرات المشاركة الباسيفيكية، وهي تسمح لهم بالاستقرار والعمل والتعلم في أستراليا، وتمثل أول حالة رسمية لمهاجرين مناخيين في التاريخ.
توفالو، ذات الـ11 ألف نسمة، واحدة من أصغر الدول وأكثرها عرضة لتداعيات التغير المناخي، أكثر من ثلث السكان تقدّموا بطلبات للحصول على تأشيرات الاستقرار في أستراليا، نظرًا لارتفاع مستوى مياه البحار، وتملح التربة والمياه العذبة، وتآكل السواحل، وتضرر البنية التحتية.
وتشير التوقعات إلى أن 60–80% من السكان سيعيشون في مناطق عرضة للفيضانات بحلول 2050، مع سيناريو أسوأ يُظهر ارتفاع منسوب البحر بمقدار مترين، ما سيغمر معظم الجزر ويجعل الأراضي المتبقية عرضة للفيضانات لمدة تصل إلى 100 يوم سنويًا.
في نوفمبر 2023، وقّعت أستراليا وتوفالو اتفاقية ثنائية تُعرف باسم اتفاقية فالبيلي، وهي أول وثيقة دولية تعترف صراحةً بالتغير المناخي كسبب كافٍ للهجرة، وتضع آلية مؤسساتية لإجراء عمليات النقل، تعتمد الاتفاقية على مفهوم “فالبيلي”، وهو تقليد باسيفيكي يقوم على الجيرة والاحترام المتبادل.
مع ذلك، ستكون موجة الانتقال محدودة: يسمح الاتفاق بنقل ما يصل إلى 280 مواطنًا توفاليًا سنويًا، في نظام تنافسي، للحفاظ على التوازن السكاني والثقافي والسياسي للدولة الصغيرة.
وتهدف توفالو إلى حماية ثقافتها ووكالتها السياسية من خلال ما أسمته “التنقل بكرامة”، بدلًا من الهروب الجماعي.
ما هي الهجرة المناخية ولماذا هي معقدة؟
تجسد تجربة توفالو نهجًا جديدًا في التعامل مع الهجرة المناخية، ولكنه لا يزال محدودًا باتفاق ثنائي بين دولتين فقط. القانون الدولي يفتقر إلى تعريف رسمي للأشخاص الذين يُجبرون على الانتقال بسبب التغير المناخي، فيما تهتم الآليات القائمة بالمهاجرين واللاجئين تحت ظروف مختلفة تمامًا.
بدأ النقاش الدولي حول الهجرة المناخية يكتسب زخمه بعد قضية إيواني تيتيوتا، مواطن من كيريباس، الذي طلب اللجوء في نيوزيلندا عام 2010 بسبب تهديد ارتفاع مستوى البحار.
رفضت المحكمة طلبه، معتبرة أن القانون الدولي لا يعترف بالتغير المناخي كسبب كافٍ للحصول على صفة اللاجئ، ومع ذلك، أكدت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في 2020 أن إعادة الأشخاص إلى دول تهدد حياتهم بسبب المناخ قد تُعد انتهاكًا لحقوق الإنسان، ما شكل أول اعتراف رسمي بأهمية المناخ في الاعتبارات القانونية والسياسية.
تتعقد مسألة الهجرة المناخية بسبب الطبيعة المتعددة الأبعاد للظاهرة، الجفاف، الفيضانات، فشل المحاصيل، وتدمير المساكن لم تكن جديدة على البشرية، لكن التغير المناخي يزيد من تواتر هذه المخاطر وشدتها، مع اختلاف تأثيراتها بين المناطق.
غالبًا ما لا يكون المناخ السبب الوحيد للهجرة، بل عاملًا محفزًا بالتزامن مع الفقر، وعدم القدرة على التكيف، والصراعات السياسية.
ومن هنا يبرز مفهوم عدم المساواة المناخية: ليست كل الدول أو المجتمعات قادرة على مواجهة تأثيرات التغير المناخي، ما يجعل الدول المتقدمة تتحمل مسؤولية أكبر في دعم المتأثرين.
الأكثر عرضة للخطر
الجزر المنخفضة مثل توفالو وكيريباس وجزر مارشال وجزر المالديف تواجه تهديدًا مباشرًا من ارتفاع مستوى البحار، حيث يؤدي حتى ارتفاع بسيط إلى الفيضانات والعواصف الساحلية وتملح التربة والمياه العذبة.
السواحل والدلتات مثل دلتتا النيل في مصر، والغانج والبراهمبوترا في بنجلاديش، وميكونغ في فيتنام، و دلتا الميسيسيبي في الولايات المتحدة، تعاني من فيضانات وتملح المياه والتربة.
وفي بنجلاديش وحدها، قد تفقد البلاد أكثر من سبع مناطق ساحلية بحلول 2050، ما يؤدي إلى نزوح الملايين سنويًا.
المناطق الجافة وشبه الصحراوية في الساحل الأفريقي وآسيا الوسطى والشرق الأوسط وجنوب أستراليا تواجه جفافًا شديدًا، ونقص المياه، وتراجع إنتاج المحاصيل، ما يدفع المجتمعات الريفية إلى الهجرة نحو المدن أو دول الجوار.
فمثلاً، في القرن الإفريقي، زادت احتمالات نقص المياه بشكل حاد، مع موجات جفاف أدت لملايين النزوح وحتى الوفيات، حيث بلغ عدد الضحايا في 2010–2011 نحو 258 ألف شخص، نصفهم تقريبًا من الأطفال دون الخامسة.
المناطق الجبلية تواجه ذوبان الأنهار الجليدية وتغير أنماط الهطول، ما يؤدي إلى شح المياه وفقدان المراعي ومخاطر الانهيارات الطينية والانزلاقات الأرضية، مع توقع نزوح 2.4–3.4 مليون شخص في آسيا الوسطى بحلول 2050.
المناطق القطبية ترتفع درجة حرارتها 3–4 مرات أسرع من متوسط العالم، ما يؤدي إلى ذوبان التربة المتجمدة وفقدان استقرار المباني، مع تهديد أكثر من 140 مجتمعًا أصليًا في ألاسكا، وفقدان حوالي 20% من سكان القطب الروسي خلال 25 عامًا.
الهجرة المناخية في الدول المتقدمة
حتى في الدول الغنية، بدأت الهجرة المناخية تأخذ شكلًا ملموسًا، في كاليفورنيا، أدت حرائق الغابات والجفاف الطويل إلى نزوح السكان؛ بعد حريق “كامب فاير” 2018، غادر نحو 50 ألف شخص، وفي 2025 تم إجلاء أكثر من 150 ألفًا بسبب حرائق جديدة.
في أستراليا، بعد فيضانات كارثية وحرائق “الصيف الأسود” 2019–2020، يهاجر آلاف السكان من المناطق الضعيفة. دراسة ديموغرافية 2024 أظهرت أن نحو 22 ألف أسترالي يغيرون مكان إقامتهم سنويًا بسبب الكوارث الطبيعية
في أوروبا، رغم عدم توفر بيانات دقيقة على نطاق واسع، سجلت دول جنوب القارة (إيطاليا، إسبانيا، اليونان) ارتفاعًا في حرائق الغابات والجفاف والفيضانات، ما أدى إلى موجات نزوح محلية.
الاتجاهات الرئيسية والحجم
الغالبية العظمى من المتأثرين بالمخاطر المناخية يهاجرون داخليًا، وغالبًا من المناطق الريفية والساحلية إلى المدن، وفقًا لتقديرات المنظمة الدولية للهجرة، أكثر من 218 مليون شخص انتقلوا داخل بلدانهم خلال العقد الماضي.
في بلدان الجنوب، تتبع الهجرة المناخية نمط “الريف إلى المدينة”، حيث ينجذب السكان إلى مناطق توفر دخلًا أعلى، بنية تحتية متطورة، وخدمات تعليم وصحة أفضل.
تشمل محفزات الهجرة فقدان المحاصيل، تدمير المساكن، وارتفاع تواتر الكوارث الطبيعية.
بنجلاديش مثال واضح: معظم الهجرة الداخلية من المناطق الساحلية المنخفضة إلى المدن مثل دكا وتشانجاي وخولنا، حيث يصل عدد القادمين الجدد إلى دكا نحو 400 ألف سنويًا، مع تقديرات أخرى تضاعف الرقم.
حوالي 70% من سكان الأحياء الفقيرة في المدن وصلوا بعد كوارث طبيعية أو ضغوط بيئية ممتدة.
الهجرة الدولية الناتجة عن المناخ أقل حجمًا لكنها محور نقاش سياسي وقانوني وإعلامي، عادةً ما ينتقل السكان من دول معرضة للخطر إلى دول أكثر رخاء وأقل عرضة للكوارث، متبعين مسارات محددة مسبقًا غالبًا لأسباب عائلية أو وظيفية.
التوقعات المستقبلية
تختلف تقديرات الهجرة المناخية المستقبلية بحسب قدرة العالم على الحد من الاحترار العالمي واستجابة الدول للتحديات المناخية، تجمع النماذج المناخية والاقتصادية والديموغرافية مجموعة واسعة من التقديرات.
الهجرة الدولية بسبب المناخ صعبة القياس، لأنها غالبًا تُصنف ضمن الهجرة الاقتصادية أو العائلية، ما يجعل تحديد حجمها الدقيق صعبًا جدًا، ومع ذلك، يشير تقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ إلى إمكانية نزوح عشرات الملايين بحلول منتصف القرن.
أما الهجرة الداخلية، فتتوفر بيانات أفضل وتسهّل نسبيًا ربطها بالعوامل المناخية.
وفقًا لتقديرات البنك الدولي، قد يصل عدد المهاجرين داخليًا بسبب ارتفاع مستوى البحار والجفاف وتراجع المحاصيل ونقص المياه إلى 216 مليون شخص بحلول 2050، لكن مع إجراءات تكيّف فعالة يمكن تقليل هذه الأعداد بنحو 80%.
الهجرة المناخية ستشكل اختبارًا لقدرة البشرية على مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين، وسيعكس مدى استعداد الدول والمجتمعات للتكيف مع التأثيرات البيئية والاجتماعية والاقتصادية المتشابكة للتغير المناخي.
