نموذج اقتصادي يثبت إمكانية التوفيق بين النمو الاقتصادي وخفض الانبعاثات بالدول النامية
كيف تساعد الضرائب والخدمات العامة على بلوغ أهداف الأمم المتحدة للفصل بين النمو والتلوث
يمكن تحقيق صافي انبعاثات صفرية ومستويات دخل متزايدة في الوقت نفسه، فالتوازن بين هواء أنظف ونمو الدخل ليس ترفاً بالنسبة للدول النامية، بل قضية سياسية واقعية تمس الصحة وفرص العمل ومستقبل المدن.
تطرح دراسة جديدة إطاراً زمنياً يوضح متى يمكن أن يسير الوصول إلى صافي انبعاثات صفرية جنباً إلى جنب مع النمو الاقتصادي، حتى في حال اعتماد الحكومات على المعونة الخارجية.
صفر انبعاثات ونمو اقتصادي
أجرى الدراسة هيديو نودا من جامعة طوكيو للعلوم، بالاشتراك مع فنغتشي فانغ، طالب الدكتوراه في إدارة الأعمال بالجامعة نفسها.
ابتكر الفريق نموذجاً بسيطاً وقابلاً للاختبار لمعرفة ما إذا كان بلد ما يستطيع تحقيق صافي انبعاثات صفرية مع استمرار نمو اقتصاده.
نُشرت الدراسة في مجلة «ذا سنغافورة إيكونوميك ريفيو»، واستخدم الباحثون معايير شبيهة بالواقع للتأكد من أن النموذج ليس مجرد تمرين نظري.
ويربط البحث بين النظرية وأحد أهداف الأمم المتحدة المتعلقة بفصل النمو الاقتصادي عن الأضرار البيئية.

نماذج الانبعاثات الصفرية
يعرّف الباحثون السياسة الصفرية بأنها إبقاء صافي التلوث عند مستوى الصفر في كل وقت، عبر مواءمة إجراءات الحد من الانبعاثات مع حجمها، وهو ما يتطلب المال والتكنولوجيا وقواعد واضحة لتحديد من يتحمل التكلفة.
اختبروا نسختين من الاقتصاد:
- نموذج السلع العامة حيث تسهم خدمات حكومية مثل الطرق والمدارس في تعزيز الإنتاج الخاص للجميع (نموذج بارو 1990).
- نموذج يضيف الازدحام، حيث يؤدي تقاسم عدد أكبر من السكان للخدمات العامة نفسها إلى تراجع العائد لكل فرد.

قاعدة الدخل الأدنى
الاختبار الرئيسي هو ما إذا كان الناتج المحلي الإجمالي للفرد يرتفع فوق حد أدنى من الدخل يتيح للبلد تنظيف ما ينبعث منه بالكامل.
ويسمي الباحثون ذلك «قاعدة رياض الأطفال» أي تنظيف ما تلوّثه، ويوفر هذا الإطار مفهوماً جديداً لبلدان العالم النامي.
المعونة تدعم النمو النظيف
تموّل حكومات منخفضة الدخل خدماتها من خلال المساعدات الإنمائية الرسمية، لذلك يسمح النموذج بتمويل المعونة الخارجية لعمليات التنظيف والخدمات العامة معاً.
ويعكس ذلك أعمالاً كلاسيكية تُظهر كيف يمكن للمعونة الموجهة نحو الخدمات العامة الإنتاجية أن تغيّر مسار النمو على المدى الطويل، وتُمدد الورقة هذا المنطق إلى مكافحة التلوث التي يجب دفع تكلفتها سنوياً.

تغير عتبة الدخل
تعتمد العتبة على التكنولوجيا النظيفة، وحجم السكان، وحجم المعونة المخصصة للأغراض البيئية.
فالتكنولوجيا الأفضل لخفض الانبعاثات تقلل الدخل المطلوب، لأن كل دولار من التنظيف يزيل قدراً أكبر من التلوث.
أما حجم السكان فيؤثر بطريقة مختلفة في النموذجين: في حالة السلع العامة قد يرفع وجود قوة عمل أكبر النمو لأن الخدمات تتوسع مع الاقتصاد، بينما في حالة الازدحام يتلاشى هذا الأثر مع تراجع نصيب الفرد من الخدمات.

الضرائب وأهداف الانبعاثات الصفرية
يحلل النموذج أيضاً السياسة الضريبية، مركزاً على ضريبة الدخل التي تموّل الخدمات، هناك معدل ضريبي يحقق أقصى نمو لدخل الفرد، وتُظهر النماذج أنه في ظل هذا المعدل تستطيع الحكومات الوصول إلى مستوى الدخل المطلوب في وقت محدود.
الخدمات العامة التي تكمل رأس المال الخاص هي الرابط، فعندما تُنفق الحكومات على تلك الخدمات بكفاءة، تنتج الشركات الخاصة أكثر، ويصعد الاقتصاد إلى مستوى الدخل الذي يجعل تحقيق صافي انبعاثات صفرية ممكناً.

النمو والدخل وأهداف التنمية المستدامة
يشير الهدف 8.4 من أهداف التنمية المستدامة إلى ضرورة فصل النمو عن التدهور البيئي، ويقول الباحثون إن إطارهم يساعد على تفسير متى يكون ذلك ممكناً عملياً، وكيف تغيّر أدوات السياسة التوقيت.
ويُعرّف هذا الهدف الأممي بأنه تحسين كفاءة الموارد وفصل النمو عن الضرر البيئي بحلول عام 2030، وهو ما يتوافق مع المفهوم الجديد للعتبة الذي يطرحه البحث.

أهمية النتائج
ركزت أبحاث سابقة على الاقتصادات المتقدمة المعتمدة على الابتكار وأظهرت إمكانية تحقيق صافي انبعاثات صفرية مع استمرار النمو.
أما الدراسة الجديدة فتُبيّن أن هذا التوافق ممكن أيضاً في الدول التي تعتمد على المعونة حيث الابتكار ليس محرك النمو الأساسي.
هذا التوسع في التحليل يسد فجوة حقيقية، إذ تواجه العديد من الدول منخفضة الدخل قيوداً مالية وتكنولوجية أكثر صرامة.
الخلاصة
الاستثمار في التكنولوجيا النظيفة لتخفيض العتبة، واستخدام المعونة المخصصة للبيئة كأداة للنمو لا كمركز تكلفة فقط، وتحديد سياسة ضريبية تزيد معدل نمو دخل الفرد ثم الاستمرار فيها حتى تجاوز العتبة، وتجنب الازدحام عبر توسيع الخدمات مع زيادة السكان حتى لا تتبدد المكاسب.





