موجات الحر وتغير المناخ.. خطر خفي يهدد مرضى الفصام
عندما يصبح الصيف قاتلًا.. العلاقة المأساوية بين الفصام وارتفاع الحرارة
مع تسارع وتيرة تغير المناخ واشتداد موجات الحر غير المسبوقة في العالم، بدأت تظهر علاقة خطيرة لم تكن تحظى باهتمام كافٍ: الارتباط بين ارتفاع درجات الحرارة واضطرابات الصحة النفسية، ولا سيما مرض الفصام (الشيزوفرينيا)، الذي يصيب ملايين البشر حول العالم، ويُعد من أكثر الاضطرابات النفسية تعقيدًا وتهميشًا.
عندما تتحول الحرارة إلى قاتل صامت
لم تعد الحرارة مجرد إزعاج موسمي أو عامل إجهاد مؤقت، بل أصبحت خطرًا صحيًا مميتًا.
يقول الدكتور آدم بلومنبرج، اختصاصي السموم الطبية في نيويورك، إنه لا ينسى حالة شاب نُقل إلى المستشفى بعدما بلغت درجة حرارة جسده 108 فهرنهايت (42 مئوية): “كانت حياته مهددة خلال دقائق، لولا التدخل الفوري بالتبريد والتهوية الاصطناعية”.
لكن ما يقلق بلومنبرج أكثر هو الفئة التي لا تدرك أصلاً أن أجسادها تقترب من درجة الخطر، ولا تستطيع طلب المساعدة في الوقت المناسب، وهم مرضى الفصام.

الفصام في مواجهة المناخ المتطرف
الفصام اضطراب ذهني مزمن يؤثر في التفكير والإدراك والسلوك. يعاني المصاب به من هلوسات وأوهام واضطراب في تفسير الإشارات الجسدية، ما يجعله أقل قدرة على الإحساس بارتفاع حرارة جسمه أو العطش، وأبطأ في اتخاذ رد فعل يحميه من الخطر.
وتُظهر البيانات أن مرضى الفصام يمثلون نحو 1% من سكان الولايات المتحدة (نحو 3.7 مليون شخص عام 2023)، لكنهم يشكلون نسبة غير متناسبة من وفيات موجات الحر.
ففي كارثة “القبة الحرارية” التي ضربت مقاطعة كولومبيا البريطانية في كندا عام 2021، ولّدت درجات حرارة تجاوزت 49 مئوية، قُتل 619 شخصًا، منهم 97 مصابًا بالفصام، أي ما يعادل 16% من إجمالي الضحايا.

كيف يتفاعل المرض مع الحرارة؟
ترتبط المشكلة بعدة عوامل متشابكة:
- الاضطراب الإدراكي: يصعب على المريض تمييز إشارات الجسد، فيتأخر في إدراك أنه يعاني من إنهاك حراري أو جفاف.
- الانعزال الاجتماعي: يعيش كثير من المصابين في عزلة أو في الشوارع، بعيدًا عن التكييف أو الملاجئ الباردة.
- الوصمة المجتمعية: الخوف من التهميش وسوء المعاملة يمنعهم من التوجه إلى المستشفيات أو مراكز الإيواء.
- الأدوية النفسية: وهي العامل الأخطر، إذ تؤثر في قدرة الجسم على التعرق وتنظيم حرارته.
الأدوية: منقذة للعقل… مهددة للجسد
تُستخدم عقاقير مثل أولانزابين، وريسبيريدون، وهالوبيريدول لتثبيت الحالة الذهنية وتقليل الهلاوس. لكنها تعمل من خلال تعطيل مادة الأسيتيل كولين، وهي المسؤولة عن تحفيز الغدد العرقية.
وعندما تتعطل هذه الوظيفة، يفقد الجسم وسيلته الأساسية في التبريد، مما يعرض المريض لخطر الإصابة بضربة شمس حتى دون بذل مجهود كبير.
يقول الدكتور روبرت لايتمان، وهو طبيب باطني وباحث في علاج الفصام بمدينة نيويورك، إن بعض المرضى “قد يجلسون في الشمس وهم يشعرون بالراحة، ثم فجأة يفقدون الوعي نتيجة الجفاف أو ارتفاع الحرارة دون أن يدركوا ذلك”.
ويضيف: “تغيير جرعات الدواء قد يقلل خطر الحرارة، لكنه يهدد بعودة الأعراض الذهانية، لذا نحاول التوازن بين المخاطر، باستخدام وسائل تبريد طبيعية كالماء البارد والمراوح والتهوية الجيدة”.

دروس من التجربة الكندية
دراسة أجراها باحثون في كندا عام 2024 كشفت أن الأوهام والهلاوس الحسية تجعل المريض غير قادر على تفسير الإشارات الحرارية التي يشعر بها.
أحد المشاركين قال: “أحيانًا أسمع ذبذبات أو أصواتًا في ركبتي، فكيف أفرق إن كان ما أشعر به حرارة أم هلاوس؟”.
توضح الدكتورة سيكي شيو، عالمة النفس في مركز الإدمان والصحة النفسية في تورنتو، أن بعض الأطباء باتوا يصممون خطط خروج آمنة للمرضى أثناء الصيف، تتضمن مراقبة مناخية، وإرشادات حول الترطيب، والتواصل مع الملاجئ.
الفقر والتهميش… وجه آخر للخطر
في مدن مثل فينيكس الأميركية، يُعد المشردون، وكثير منهم مصابون بالفصام، أكثر عرضة للموت من الحر بمعدل 400 مرة مقارنة ببقية السكان.
ويقول الأطباء إن التمييز الاجتماعي يؤدي أيضًا إلى تأخير استقبال المرضى في غرف الطوارئ، رغم حالتهم الحرجة.
“حتى لو كان المريض في خطر الموت، يتم فرزه في آخر قائمة الانتظار، فقط لأنه يعاني اضطرابًا نفسيًا”، تقول إحدى شهادات الدراسة الكندية.

أزمة تمويل تهدد البحث والعلاج
مع عودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، اتخذت الإدارة الجديدة موقفًا معاديًا للبحث العلمي، وأوقفت ما يقرب من 11.4 مليار دولار من تمويل برامج الصحة النفسية والبحوث المتعلقة بتغير المناخ.
كما خُصم 18 مليار دولار من موازنة المعهد الوطني للصحة، و1.1 مليار دولار من وكالة خدمات الصحة النفسية والإدمان.
تقول هانا ويسولوفسكي، المتحدثة باسم التحالف الوطني للأمراض النفسية: “هذه القرارات ستدفع مزيدًا من الناس إلى الشوارع والسجون وأقسام الطوارئ، بدلًا من توفير الرعاية والوقاية”.
ربط المناخ بالصحة النفسية.. ضرورة لا رفاهية
يرى الخبراء أن موجات الحر ليست مجرد قضية مناخية، بل قضية صحة عامة وعقلية.
وتشير الإحصاءات إلى أن نوبات الحر الشديدة تزيد حالات دخول المستشفيات النفسية بنحو 10%، خصوصًا بين المصابين باضطرابات ذهانية.
من هنا، يدعو العلماء إلى دمج الصحة النفسية في سياسات التكيف المناخي، بحيث تشمل خطط الطوارئ الفئات الهشة مثل المصابين بالفصام، والمشردين، وكبار السن.
تقول الدكتورة شيو في ختام دراستها: “حين نضع خططًا للتعامل مع الحر دون أن نأخذ في الاعتبار من لا يستطيعون حتى التعبير عن شعورهم به، فنحن نتركهم للموت البطيء”.






