أخبارالتنمية المستدامةابتكارات ومبادرات

من محطات المترو إلى مياه الصرف.. العلماء يكشفون عالمًا فيروسيًا لم نكن نراه

خريطة خفية لفيروسات المدن.. فيروسات المدن أكثر تنوعًا مما ظن العلماء

مسح عالمي حلّل 2,922 عينة من 31 دولة، من مقابض محطات النقل إلى التربة ومياه الصرف الصحي، وكشف تنوعًا فيروسيًا أوسع بكثير مما رصدته الدراسات السابقة.. لكن معظم المكتشفات لم تُثبت خطورتها على البشر

في شوارع المدن ومحطات المترو والمستشفيات، وكذلك في التربة والرواسب ومياه الصرف الصحي، تختبئ عوالم ميكروبية لا تزال معرفتنا بها محدودة.

وكشف مسح علمي عالمي جديد عن جانب غير متوقع من هذا التنوع، بعدما حدد الباحثون 54,945 تسلسلًا جينيًا متميزًا لفيروسات الحمض النووي الريبي (RNA) في عينات جُمعت من 102 مدينة حول العالم، كان نحو 77% منها غير مسجل في قواعد البيانات الفيروسية التي قورنت بها النتائج.

الدراسة المنشورة في مجلة Nature Communications لا تعني أن العلماء اكتشفوا عشرات الآلاف من الفيروسات الجديدة المسببة للأمراض، بل تكشف عن فجوة كبيرة في رسم خريطة التنوع الفيروسي داخل البيئات الحضرية والمناطق المحيطة بها.

وتشير النتائج إلى أن التركيز التقليدي على الفيروسات المرتبطة بأمراض معروفة ربما ترك جانبًا واسعًا من العالم الفيروسي دون دراسة، كما تبرز أهمية مراقبة مياه الصرف الصحي والعينات البيئية لفهم التغيرات التي تحدث في المجتمعات الفيروسية بمرور الوقت.

كيف بحث العلماء عن فيروسات لم يعرفوا أسماءها؟

الفيروسات
الفيروسات

قاد فريق دولي من الباحثين تحليلًا جمع بين عينات بيئية جديدة وبيانات جينية متاحة في قواعد بيانات عامة، ضمن مسح شمل 2,922 عينة من 102 مدينة في 31 دولة.

وجُمعت 1,862 عينة باستخدام مسحات من أسطح يكثر لمسها، مثل الدرابزين والمقاعد وآلات التذاكر، في محطات النقل والمستشفيات والبنوك وأماكن عامة أخرى.

أما بقية العينات، وعددها 1,060، فجاءت من قواعد بيانات جينية، وشملت التربة والرواسب والمياه العذبة ومياه الصرف الصحي والبيوت الزجاجية، إلى جانب عينات من بعض الحيوانات التي تُباع في الأسواق المحلية.

وجُمعت عينات المسح الحضري خلال الفترة من مارس إلى يوليو 2020، بالتعاون مع شبكة MetaSUB الدولية المعنية بدراسة الأحياء الدقيقة في المدن، فيما استُكملت الدراسة ببيانات بيئية منشورة سابقًا.

وبدلًا من البحث عن فيروس محدد، استخدم الباحثون أسلوبًا يتيح قراءة كميات ضخمة من المادة الوراثية الموجودة في العينة، ثم فرز التسلسلات الحاسوبية وتحديد ما يمكن أن ينتمي منها إلى فيروسات RNA.

وأسفر التحليل عن أكثر من 100 مليار قراءة قصيرة للتسلسل الجيني، جُمعت منها مقاطع أطول باستخدام أدوات حاسوبية، قبل إخضاعها لعمليات التصنيف والتجميع وفحوص الجودة.

77% من التسلسلات لم تطابق ما هو مسجل

بعد إزالة التسلسلات المتقاربة جدًا وتجميعها وإجراء اختبارات الجودة، حدد الفريق 54,945 تسلسلًا فيروسيًا متميزًا.

ومن بينها، طابق 12,487 تسلسلًا، أي نحو 23%، تسلسلات معروفة في قواعد البيانات المرجعية. أما نحو 77% فلم تتطابق مع تسلسلات مسجلة سابقًا وفق المقارنة التي أجراها الباحثون.

ولا تعني هذه النسبة بالضرورة أن 77% من النتائج تمثل أنواعًا بيولوجية جديدة مؤكدة؛ فعدم العثور على تطابق في قاعدة البيانات قد يعكس نقص المعرفة السابقة، أو اختلاف التسلسل، أو عدم اكتمال المعلومات الجينية المتاحة. ولذلك يتطلب تأكيد الأنواع والتصنيفات الجديدة تحليلات إضافية، وقد يستلزم الأمر الحصول على جينومات أكثر اكتمالًا وأدلة بيولوجية مستقلة.

كما وجد الفريق أن إضافة عينات جديدة كانت تكشف باستمرار عن تسلسلات لم تظهر في العينات السابقة، ما يشير إلى أن الحصيلة التي توصلت إليها الدراسة لا تمثل سوى جزء من التنوع الفيروسي الموجود في هذه البيئات.

هل عثر الباحثون على فروع جديدة في شجرة الفيروسات؟

لم تقتصر النتائج على إضافة تسلسلات إلى قواعد البيانات، بل دفعت الباحثين إلى اقتراح مجموعات تصنيفية جديدة ضمن شجرة تطور فيروسات RNA.

واستند الفريق إلى مقارنة جينات إنزيمات تساعد الفيروسات على نسخ مادتها الوراثية، وهي من الأدوات المستخدمة لتحديد العلاقات التطورية بين الفيروسات.

وأظهرت التحليلات أن معظم التسلسلات الجديدة تقع ضمن مجموعات كبيرة معروفة، بينما تجمعت بعض التسلسلات في سبع مجموعات شكّلت فرعين عميقين مقترحين، إلى جانب فئة تصنيفية ومجموعات أخرى لم يتضح موقعها بعد.

وظهر أحد الفرعين المقترحين بصورة أساسية في عينات مياه الصرف والتربة والرواسب، بينما ارتبط الآخر أكثر بعينات الأراضي العشبية.
ولم تُرصد هذه المجموعات المقترحة إلا في عينات من نصف الكرة الشمالي ضمن مجموعة البيانات المدروسة.

لكن الباحثين شددوا على أن هذه النتائج حاسوبية في الأساس، وأن إثبات وجود شعب تصنيفية جديدة بصورة رسمية يحتاج إلى مزيد من الأدلة. لذلك ينبغي التعامل معها باعتبارها فروعًا مرشحة تحتاج إلى التحقق، لا تصنيفات نهائية محسومة.

هل تمثل الفيروسات المكتشفة تهديدًا للصحة العامة؟

هذه هي النقطة الأكثر أهمية عند تفسير نتائج الدراسة: العثور على تسلسل فيروسي غير معروف لا يعني أن الفيروس يصيب الإنسان، أو يسبب مرضًا، أو ينتقل بين الأشخاص.

فقد استطاع الفريق ربط نحو ثلث التسلسلات فقط بمضيف محتمل، أي الكائن الحي الذي قد يصيبه الفيروس.
وكان أكثر من نصف الفيروسات التي أمكن ربطها بمضيف يُرجح أنها عاثيات بكتيرية، وهي فيروسات تصيب البكتيريا بدلًا من خلايا الإنسان أو الحيوان.

وتشير النتائج إلى أن التنوع الفيروسي في البيئة لا يقتصر على الفيروسات التي تصيب النباتات والحيوانات والفطريات، بل يضم أعدادًا كبيرة من الفيروسات التي تتفاعل مع البكتيريا، وهي مجموعة لا تظهر دائمًا بوضوح في الدراسات التي تركز على مسببات الأمراض البشرية.

وبالاستناد إلى قواعد بيانات للعدوى المعروفة، حدد الباحثون 60 تسلسلًا اعتبروها مرشحة بدرجة مرتفعة لأن تكون مرتبطة بفيروسات قادرة على إصابة البشر.
لكن هذا التصنيف لا يثبت أن كل تسلسل يمثل فيروسًا نشطًا في العينات أو قادرًا على إحداث مرض، ولا يوضح وحده مدى انتشار العدوى أو شدتها.

كذلك، فإن العثور على مادة وراثية فيروسية في عينة من بيئة حضرية لا يثبت أن الفيروس كان يتكاثر فيها، أو أنه انتقل من شخص إلى آخر. وقد يتطلب تحديد المخاطر الفعلية عزل الفيروس أو التحقق من قدرته على إصابة الخلايا، إلى جانب دراسات وبائية مناسبة.

العاثيات البكتيرية تفتح بابًا جديدًا لمقاومة العدوى

من النتائج اللافتة أن الفريق رصد 166 عاثية بكتيرية تحمل تسلسلات تشير إلى تاريخ من إصابة أربعة أنواع من البكتيريا المقاومة للأدوية، تنتمي إلى مجموعة تُعرف باسم ESKAPE، وهي مجموعة من مسببات العدوى التي تمثل تحديًا مهمًا للمستشفيات بسبب قدرتها على مقاومة العلاجات.

وكانت بكتيريا المكورات العنقودية الذهبية (Staphylococcus aureus) مرتبطة بنحو 100 من هذه العاثيات التي حددها التحليل.

وتثير هذه النتيجة اهتمام الباحثين لأن العاثيات تُدرس بوصفها إحدى الأدوات المحتملة لمكافحة بعض أنواع العدوى البكتيرية، من خلال استهداف البكتيريا التي تصيب الإنسان.

وقد تساعد التسلسلات المكتشفة في تحديد مرشحين يستحقون الدراسة مستقبلًا ضمن أبحاث العلاج بالعاثيات. لكن العثور على تسلسل يشير إلى إصابة بكتيريا مقاومة لا يعني أن العاثية فعالة علاجيًا أو آمنة للاستخدام البشري؛ إذ يجب التحقق من قدرتها على قتل السلالة المستهدفة، وخصائصها البيولوجية، وسلامتها، وفاعليتها في الاختبارات المناسبة.

لماذا كانت مياه الصرف الصحي من أغنى البيئات الفيروسية؟

مياه الصرف الصحي

أظهرت المقارنات أن عينات التربة والرواسب احتوت على تنوع فيروسي أكبر من كثير من العينات المأخوذة من الشوارع والبنوك ومحطات النقل.
كما كانت العينات المأخوذة من الأماكن العامة المزدحمة أكثر تشابهًا بعضها مع بعض مقارنة ببعض البيئات الطبيعية.

وطرح الباحثون احتمال أن تؤدي الأنشطة البشرية إلى جعل المجتمعات الميكروبية في بعض الأماكن الحضرية أكثر تجانسًا، بينما تحتفظ البيئات الطبيعية بتنوع أوسع. إلا أن هذا التفسير يحتاج إلى اختبارات إضافية، لأن أنواع العينات والظروف التي جُمعت فيها لم تكن متساوية بين جميع البلدان والمدن.

وبرزت مياه الصرف الصحي باعتبارها إحدى البيئات الغنية بالتنوع الفيروسي في المسح. وهذا يدعم الاهتمام بها أداةً للمراقبة البيئية والصحية، إذ يمكنها جمع إشارات وراثية من مصادر متعددة داخل المدينة.

وتستطيع برامج المراقبة المتكررة أن تساعد على تتبع التغيرات في التسلسلات الفيروسية بمرور الزمن، واكتشاف ظهور أنماط جديدة تستحق التحقيق.
لكن تفسير هذه الإشارات يتطلب معرفة حدود الاختبارات الجينية، ومراعاة أن وجود المادة الوراثية لا يساوي بالضرورة وجود فيروس معدٍ أو خطر صحي مباشر.

لماذا لا يمكن مقارنة المدن بسهولة؟

على الرغم من اتساع المسح جغرافيًا، فإن توزيع العينات لم يكن متوازنًا بين جميع البلدان وأنواع البيئات.

فقد جاءت جميع عينات فرنسا من البيوت الزجاجية، بينما كان نحو 97.8% من عينات بولندا مأخوذًا من محطات المترو أو الحافلات. ولذلك لا يمكن فصل تأثير البلد عن تأثير نوع البيئة في هذه الحالات بصورة موثوقة.

كما لا تتيح عينة جُمعت مرة واحدة بالضرورة معرفة كيف يتغير التنوع الفيروسي في المدينة نفسها من موسم إلى آخر أو من عام إلى آخر.

ولهذا دعا الباحثون إلى جمع عينات أكثر توازنًا بين البلدان وأنواع البيئات، وإعادة أخذ العينات من المدن نفسها على فترات زمنية متعاقبة، إلى جانب تحسين القدرة على استعادة الجينومات الفيروسية الكاملة أو شبه الكاملة بدلًا من الاعتماد على المقاطع القصيرة وحدها.

خريطة أولية لعالم فيروسي واسع

أطلق الباحثون على مجموعتهم اسم «أطلس فيروسات RNA الحضرية وشبه الحضرية» (UPVAtlas)، ليكون قاعدة مرجعية تساعد الدراسات المقبلة على مقارنة التنوع الفيروسي بين البيئات والمدن، وتتبع التغيرات التي تحدث بمرور الوقت.

ومع ذلك، فإن أكثر من 92% من التسلسلات في الأطلس كانت أقصر من 5,000 حرف جيني، ولم تنتج الدراسة سوى عدد محدود من الجينومات الكاملة أو شبه الكاملة. وهذا يوضح حجم التحدي الذي لا يزال قائمًا أمام العلماء لفهم هوية هذه الفيروسات ومضيفيها وطرق انتقالها وأدوارها البيئية.

وتكشف الدراسة أن عالم الفيروسات أوسع بكثير من قائمة مسببات الأمراض المعروفة، وأن البيئات الحضرية ومياه الصرف والتربة تحمل معلومات وراثية يمكن أن توسع فهمنا لهذا التنوع.

لكن الرسالة الأساسية ليست أن المدن أصبحت أكثر خطورة بسبب اكتشاف آلاف الفيروسات، بل أن أدوات التحليل الجيني أصبحت قادرة على رؤية جزء كبير من التنوع الذي لم تكن الطرق التقليدية ترصده. أما تحديد ما إذا كانت التسلسلات الجديدة مهمة لصحة الإنسان أو الحيوان أو البيئة، فسيظل مهمة الأبحاث التالية.

مقالات ذات صلة

Comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة