كشف باحثون في مركز الأندلس لبيولوجيا الجزيئات والطب التجديدي في إشبيلية عن أن مركبات الكبريت المستخلصة من الثوم قد تلعب دورًا مهمًا في إبطاء عملية الشيخوخة لدى الفئران الذكور، مع الحفاظ على قوة العضلات، والحركة، والذاكرة، وتنظيم مستويات السكر في الدم مع التقدم في العمر.
توضح النتائج وجود مسار بيولوجي طبيعي موجود في الأطعمة اليومية يمكنه التأثير على كيفية تقدم الجسم في السن، ما يفتح الباب أمام فهم أعمق للشيخوخة الصحية، أو ما يُعرف بـ “healthspan”، وهو الجزء من الحياة الذي يتمتع فيه الإنسان بالصحة الجيدة والقدرة على الحركة والوظائف العقلية السليمة.
تأثير مركبات الثوم على الخلايا والعضلات
عند الفئران المعالجة، أظهرت الفحوصات الأولى في الكبد انخفاض تراكم الدهون وتحسن استجابة الإنسولين، ما يشير إلى زيادة حساسية الخلايا للهرمونات المسؤولة عن تنظيم السكر في الدم.
يقوم الثوم بإطلاق جزيئات الكبريت التفاعلية عند قطعه أو مضغه، وهي تساعد على توليد غاز ثنائي كبريتيد الهيدروجين ، الذي يعمل كإشارة داخلية بين الخلايا.
هذا الغاز أظهر في أنسجة الفئران قدرة على حماية الخلايا من التلف وتحسين مسارات الطاقة، مع الحفاظ على الوظائف البدنية والمعرفية للفئران مع تقدمها في العمر.
العمر الافتراضي وجودة الحياة
الفئران التي تناولت المركبات منذ عمر 20 أسبوعًا وصلت إلى عمر وسطي 877 يومًا مقارنة بـ 787 يومًا للفئران الأخرى، أي بزيادة قدرها 11.4%. الأهم من ذلك، حافظت هذه الفئران على قدرتها على الحركة، وتماسك العضلات، والذاكرة، والتحكم في مستوى الجلوكوز، ما يعكس تحسين “healthspan” وليس مجرد العمر فقط.
التحكم في السكر وتراكم الدهون
أظهر الفحص المبكر للإنسولين استجابة أسرع وأفضل بعد الجرعات، كما لاحظ الباحثون انخفاض الذروة السكرية بعد تناول السكريات، مع حاجة أقل للإنسولين لتوزيع السكر في الجسم.
في الكبد، تقلصت قطرات الدهون بدلًا من تراكمها، ما يعكس قدرة أفضل على استقلاب الدهون وحماية الأعضاء قبل ظهور التلف الواضح.
إشارات خلوية متعددة
داخل الخلايا، قامت مركبات الثوم بتغيير عملية persulfidation، وهي وسم كبريتيري يمكنه تعديل سلوك البروتينات، وخفض نشاط مسار رئيسي يتحكم في النمو الخلوي، المرتبط بتسريع الشيخوخة عند نشاطه الزائد.
كما لوحظ انخفاض في النشاط المناعي والالتهابي المزمن، وهو ما يُعرف بـ meta-inflammation، المرتبط بمشاكل التمثيل الغذائي.
إشارات مشابهة لدى البشر
قام الفريق بمراجعة عينات دم لـ288 شخصًا يعانون من أمراض مزمنة متعددة، ووجدوا أن مستويات البروتين المرتبط بالكبريت تتوافق مع قوة الإمساك باليد وانخفاض الدهون الثلاثية، ما يعزز مصداقية نتائج الدراسة رغم كونها مجرد ملاحظة ارتباطية وليست سببًا مباشرًا.
حدود النتائج وتحذيرات الباحثين
لا تزال هذه النتائج محصورة على الفئران الذكور، بينما قد تتعامل الإناث مع عملية التمثيل الكبريتي بطريقة مختلفة، كما أظهرت الفحوص بعد الوفاة زيادة طفيفة في سرطان الكبد، وهو أمر طبيعي للفئران طويلة العمر.
كما أن الثوم المنزلي لا يمثل علاجًا مباشرًا، حيث استخدمت الفئران مركبات مُنقاة بجرعات محددة، ويحتاج تطبيق النتائج على البشر إلى مزيد من الدراسات لتحديد الجرعات الآمنة والفعالة.
آفاق مستقبلية
الدراسة المنشورة في مجلة Cell Metabolism تفتح الباب أمام فهم أوسع للشيخوخة عبر تعديل التمثيل الغذائي، الالتهابات، والإشارات الخلوية.
الخطوة التالية تشمل اختبار هذه المركبات في الإناث، وتحديد الجرعات المناسبة للبشر، واستكشاف مدى إمكانية تحسين الصحة العامة وتأخير الشيخوخة باستخدام هذه المركبات بشكل آمن.
