كشفت دراسة علمية حديثة أن دخول السكر إلى الدماغ بعد التعرض لتجربة مرهقة قد يلعب دورًا مباشرًا في تثبيت الذكريات لفترات أطول، من خلال آلية بيولوجية تربط بين إشارات الجوع وتخزين الذاكرة.
وأجريت الدراسة التي تم نشرها في مجلة Nature، على ذباب الفاكهة المعروف علميًا باسم Drosophila melanogaster، حيث لاحظ الباحثون أن التعلم المرتبط بالمؤثرات السلبية يصبح أكثر ثباتًا عندما يتبع بتناول السكر خلال فترة زمنية محددة.
وأوضح الباحث بيير-إيف بلاسيه من المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، أن خلايا دماغية متخصصة في استشعار السكر لا تنشط إلا خلال نافذة زمنية قصيرة بعد التعلم، تسمح للدماغ باستخدام السكر لتثبيت الذاكرة.
وخلال التجارب، خضع الذباب لتعلم يقوم على ربط رائحة معينة بصدمة كهربائية خفيفة، ما دفعه لاحقًا لتجنب تلك الرائحة. لكن تثبيت هذه الذاكرة على المدى الطويل لم يحدث إلا عند تناول السكر بعد التجربة.
وتشير النتائج إلى أن استجابة الدماغ لا تعتمد فقط على السعرات الحرارية، بل على إشارات كيميائية محددة مرتبطة بالكربوهيدرات، ما يجعل توقيت تناول السكر عاملًا حاسمًا في عملية تخزين الذاكرة.
كما اكتشف الباحثون، أن بعض الخلايا العصبية المسؤولة عن استشعار السكر في الدماغ، والمعروفة باسم Gr43a، تعود للعمل بعد التغذية مباشرة، حتى في حالات كان الدماغ فيها في حالة “تشبه الجوع” مؤقتًا.
وعند تنشيط هذه الخلايا، يتم إطلاق هرمون يشبه الإشارة يُعرف باسم “ثيروستيمولين”، والذي ينتقل إلى مناطق الدماغ المسؤولة عن تكوين الذاكرة، مما يساعد على تعزيز تثبيت التجربة.
لكن تعطيل هذه الإشارات أو الخلايا المرتبطة بها يؤدي إلى ضعف واضح في تكوين الذاكرة طويلة المدى، ما يؤكد أن السكر يعمل كإشارة تنظيمية وليس مجرد مصدر طاقة.
وتحتاج عملية تثبيت الذاكرة إلى طاقة سريعة داخل منطقة في دماغ الذباب تُعرف باسم “جسم الفطر”، وهي المنطقة المسؤولة عن تخزين الروابط المكتسبة من التجارب.
وتوضح الدراسة، أن الدماغ قد يستخدم إشارات السكر لتحديد اللحظة المناسبة لاستثمار الطاقة في تخزين الذكريات، خاصة بعد التجارب المجهدة أو المليئة بالتوتر.
كما أظهرت النتائج، أن الذباب الذي خضع لتدريب متكرر أظهر ميلًا أكبر لاختيار السكر لاحقًا، ما يشير إلى ارتباط مباشر بين الذاكرة والسلوك الغذائي.
ورغم أن الدراسة لا تنطبق مباشرة على البشر، فإنها تفتح الباب لفهم أعمق للعلاقة بين التغذية والذاكرة، خاصة في سياق السلوكيات المرتبطة بالتوتر.
وأكد الباحثون، أن الدماغ البشري أكثر تعقيدًا، إذ تتداخل فيه الهرمونات والعادات والسلوكيات الاجتماعية، لكن بعض المبادئ الأساسية قد تكون مشتركة بين الكائنات المختلفة.
وتشير الدراسة إلى أن ما يُعرف بـ”الأكل العاطفي” قد يكون له أساس بيولوجي مرتبط بآليات الذاكرة والجوع، وليس مجرد سلوك نفسي فقط.
وفي النهاية، تخلص الدراسة إلى أن السكر لا يعمل كمكافأة فقط، بل كإشارة زمنية دقيقة تساعد الدماغ على تحديد متى يجب تثبيت الذكريات المهمة.
