لماذا يستفيد كل شخص من الغذاء النباتي بشكل مختلف؟ السر في دور ميكروبات الأمعاء
إنزيمات الأمعاء تفسّر سر اختلاف فوائد نفس الغذاء بين الأشخاص.. تحدد قيمة طعامك الحقيقية
غالبًا ما يتناول الناس الفواكه والمكسرات والخضراوات نفسها، ومع ذلك يحصلون على فوائد صحية متفاوتة بوضوح. ويشير العلماء اليوم إلى أن أحد الأسباب الرئيسية هو أن ميكروبات الأمعاء تعمل كمختبرات كيميائية دقيقة.
فالكثير من المركبات النباتية تبقى غير مفعَّلة إلى أن تقوم ميكروبات محددة بتحويلها إلى صور يمكن للجسم الاستفادة منها. ويذهب تحليل عالمي واسع النطاق أبعد من الدراسات السابقة، ليكشف مدى تأثير هذه الكيمياء الميكروبية في التغذية.
تُظهر الدراسة، أن اختلاف “صندوق الأدوات” الإنزيمية داخل الأمعاء يمكن أن يحدد مدى قدرة كل شخص على تحرير العناصر الغذائية النباتية المفيدة، وأن الأنظمة الغذائية المتطابقة قد تُنتج نتائج صحية مختلفة تمامًا.
الميكروبات تُفعِّل المغذيات
لا تعمل كثير من الجزيئات النباتية في شكلها الأولي كما تصل إلى الطعام، إذ يجب أن تعيد ميكروبات الأمعاء تشكيلها أولًا. وقد تتبعت الأبحاث الحديثة مئات المركبات النباتية، ورصدت طيفًا واسعًا من الإنزيمات المسؤولة عن هذه الخطوات التحويلية.
ويُظهر جزء كبير من نشاط إنزيمات الأمعاء ارتباطًا وثيقًا بمعالجة المركبات النباتية، إذ شكّلت هذه الإنزيمات أكثر من نصف النشاط الإنزيمي في العديد من العينات، مما يبرز جانبًا خفيًا وحاسمًا من جوانب التغذية.

كل شخص يعالج النباتات بطريقة مختلفة
تختلف تركيبة ميكروبات الأمعاء من شخص لآخر، وتحمل كل تركيبة مجموعتها الخاصة من الإنزيمات، وتحدد المنطقة الجغرافية، والنظام الغذائي طويل الأمد، وعوامل الحياة المختلفة شكل هذه الأنماط الإنزيمية.
وقال البروفيسور جياني باناجيوتو من معهد لايبنتز لبحوث المنتجات الطبيعية وعلم أحياء العدوى: “توضح نتائجنا مدى أهمية وظائف الميكروبيوم في تأثير التغذية الصحية، ولم نتمكن من رصد تنوع البكتيريا المعوية وديناميكياتها إلا بفضل التعاون بين خبراء المعلوماتية الحيوية والكيمياء ونماذج الأمراض وعلماء الميكروبات”.
وكشف المسح العالمي المنشور في دورية Nature Microbiology وجود أنواع إنزيمية مشتركة بين مناطق العالم، لكن الفروق الفردية ظلت كبيرة.
فقد تتمكن عيّنة أمعاء واحدة من معالجة عدد كبير من الجزيئات النباتية، بينما تكون قدرة عيّنة أخرى محدودة، مما يفسر اختلاف الاستجابة لنفس الوجبة الغذائية.

الأمراض تحد من تفعيل العناصر الغذائية
تفتقر ميكروبات الأمعاء لدى المصابين بأمراض مزمنة—مثل الالتهاب المعوي والسرطان القولوني والكبد الدهني—إلى إنزيمات رئيسية تساعد في تحويل المركبات النباتية. وتعمل العديد من الخطوات التحويلية لديهم بطاقة منخفضة.
واستخدم الباحثون نماذج تعتمد على الذكاء الاصطناعي لرسم خرائط إنزيمية قادرة على التمييز بين الأشخاص الأصحاء والمرضى بدقة عالية، حيث ظهر أن فقدان إنزيمات معينة يرتبط بضعف تحويل مركبات نباتية مثل مركبات الأحماض الأمينية، والفلافونويدات، والأحماض العطرية.
ودعمت التجارب الحيوانية هذه النتائج؛ إذ حسّنت الفراولة ذات الخصائص المضادة للالتهاب صحة أمعاء الفئران التي تمتلك ميكروبات طبيعية، بينما استفادت الفئران الخالية من الميكروبات جزئيًا فقط، مما يشير إلى أن الإنزيمات الميكروبية عنصر محوري في تحقيق الفائدة الغذائية الكاملة.

مطابقة الميكروبات مع المغذيات
كشف العلماء عن مجموعة واسعة جدًا من الجزيئات النباتية داخل الأغذية الغنية بالنباتات، وتمكّنوا من ربط العديد منها بإنزيمات ميكروبية مسئولة عن تحويلها إلى صور نشطة. وتستطيع بعض الميكروبات تحويل مجموعة واسعة من الفلافونويدات إلى مركبات فعّالة، بينما تتخصص ميكروبات أخرى في مجموعة صغيرة فقط من الجزيئات النباتية.
وخلال البحث، برزت مجموعة محدودة من الميكروبات لقدرتها على تنفيذ مراحل تحويل لا تستطيع منتجات البروبيوتيك التجارية القيام بها، وذلك رغم أن هذه الخطوات ضرورية لجعل بعض المركبات النباتية نشطة داخل الجسم.
وتفتح هذه المعرفة الباب أمام تطوير منتجات بروبيوتيك أو أغذية مُخمّرة تعتمد على مزيج من الميكروبات المختارة وفق قدراتها الإنزيمية، لتعزيز قدرة الجسم على الاستفادة من العناصر النباتية بدقة أعلى.
أغذية مصممة لميكروبات الأمعاء
تشير الدراسات إلى إمكانية تطوير نوع جديد من الأغذية الوظيفية يعتمد على ميكروبات خاصة ذات قدرة عالية على تفعيل المركبات النباتية خلال عملية التخمر.
وقد يساعد هذا النوع من الأغذية الأشخاص ذوي القدرة المنخفضة على تحويل المغذيات، مثل كبار السن أو من يعانون من انخفاض تنوع الميكروبيوم، ومع تصميم منتجات غذائية تحتوي على مزيج ميكروبي يدعم خطوات إنزيمية محددة، قد يصبح بالإمكان مساعدة شرائح واسعة من الناس على الحصول على أقصى فائدة من الفواكه والخضراوات والأغذية النباتية.
الميكروبات تحدد قيمة غذائك
تشكل السن والمنطقة الجغرافية ونمط الحياة عوامل مؤثرة في تشكيل الأنماط الإنزيمية للميكروبيوم. وغالبًا ما تظهر لدى كبار السن مستويات أقل من الإنزيمات المرتبطة بالمغذيات النباتية، مما قد يحد من تأثير النصائح الغذائية العامة.
وترجح الدراسة أن التغذية المستقبلية قد تعتمد على فحوص تحليل البراز لرسم خرائط الإنزيمات، ومن ثم تخصيص أنظمة غذائية تتوافق مع القدرات الميكروبية، أو إضافة ميكروبات تكميلية لتعويض الخطوات المفقودة.
وتؤكد النتائج رسالة رئيسية: تعمل الأغذية النباتية بأفضل شكل عندما تمتلك ميكروبات الأمعاء “الأدوات” المناسبة.
وقد تفتح التغذية الدقيقة آفاقًا جديدة لجعل الأنظمة الغذائية النباتية أكثر فاعلية عبر مطابقة المركبات النباتية مع قدرات الإنزيمات الميكروبية.





