كان درب التبانة آخر ما يتوقّعه عالمٌ خلال زيارته لمتحف مع أطفاله. ولكن عندما انبهرت بناته بصورة امرأةٍ مقوّسة في السماء، أثار فضولهنّ رحلةً غير متوقعة.
وقد قادت أسئلة الأطفال حول القصة الدكتور أور جراور إلى أعماق الأساطير المصرية القديمة – وربما إلى فهمٍ جديد لكيفية تصوير درب التبانة في الفن المصري القديم.
ويأتي هذا البحث من جامعة بورتسموث، حيث استكشف فريق الدكتور جراور كيف كان المصريون القدماء يُمثّلون مجرة درب التبانة.
كان التركيز على إلهة السماء “نوت”، وهي شخصية تُوجد عادةً على التوابيت المصرية، واتصالها بالنجوم والشمس، وربما حتى مجرّتنا.

نوت: آلهة السماء
في الثقافة المصرية القديمة، ارتبط العديد من الآلهة والإلهات بالأجرام السماوية. نوت (وتُنطق: “نوت”) تُعدّ من أهم هذه الشخصيات، إذ تُمثل السماء، وغالبًا ما تُرسم كامرأةٍ عارية منحنية.
أحيانًا تُغطى نوت بالنجوم، أو تُميز بأقراص الشمس، مما يُظهر دورها في الدورة الشمسية. ففي الأساطير، تبتلع نوت الشمس ليلًا ثم تُعيد ولادتها عند الفجر.
وضعيتها الحامية – المنحنية فوق إله الأرض “جب” – ترمز إلى كيف تحمي السماءُ العالم.
تظهر نوت بهذه الوضعية المميزة على مئات التوابيت القديمة التي يعود تاريخها إلى خمسة آلاف عام، لكن ليست كل الصور متشابهة.

هل رسم المصريون مجرة درب التبانة؟
من أبرز هذه الصور نعش يعود الكاهنة “إيست إم خب الثانية” إبنة قائد الجيش وكبير كهنة أمون “ماسا حرتا” ومنشدة أمون “تايوحرت” وحفيدة الملك “بينجم الأول” في الأسرة الحادية والعشرين، عاشت منذ حوالي ثلاثة آلاف عام.
يتقاطع على جسد نوت خطٌّ أسود عريض متموّج، يمتد من قدميها إلى يديها، مع نجوم موزعة بالتساوي أعلاه وأسفله. هذه السمة غير العادية لفتت انتباه الدكتور جراور.
يعتقد الدكتور أن هذا المنحنى المتموج يُمثل مجرة درب التبانة، وربما يُشير إلى “الصدع العظيم” – ذلك الشريط الداكن من الغبار الذي يخترق شريط الضوء المنتشر في درب التبانة.
وقد أظهرت مقارنة هذا الرسم بصورة فوتوغرافية للمجرة تشابهًا صارخًا، كما أوضح الدكتور جراور، أستاذ الفيزياء الفلكية بجامعة بورتسموث.
هذا التصميم المنحني لا يقتصر على تابوتٍ واحد، بل يمكن رؤية خطوط مماثلة في عدة مقابر أخرى.

نوت في وادي الملوك
تظهر منحنيات متموجة مماثلة في أربع مقابر بوادي الملوك. ففي مقبرة رمسيس السادس، على سبيل المثال، ينقسم سقف حجرة الدفن بين كتاب النهار وكتاب الليل، كما أشار الدكتور جراور.
قال: “يتضمن كلاهما أشكالًا مقوّسة لنوت، معروضة ظهرًا لظهر، ومنفصلة عن بعضها بمنحنيات ذهبية سميكة متموجة، تنطلق من قاعدة رأس نوت وتنتقل فوق ظهرها حتى مؤخرتها.”

الجوز ليس مجرة درب التبانة
على الرغم من التشابه البصري، لا يعتقد الدكتور جراور أن نوت تُجسّد درب التبانة مباشرة. ويُعدّ هذا الانحناء نادرًا في الفن المصري، وهو أمرٌ ذو دلالة، كما يرى.
قال: “لم أرَ منحنى متموجًا مماثلًا في أي من التمثيلات الكونية الأخرى لنوت، ووجهة نظري هي أن ندرة هذا المنحنى تعزز الاستنتاج الذي توصّلتُ إليه في دراسة النصوص القديمة العام الماضي، وهو أنه رغم وجود صلة بين نوت ودرب التبانة، إلا أن الاثنين ليسا الشيء نفسه”.
نوت ليست تمثيلًا لمجرة درب التبانة، بل إن المجرة، إلى جانب الشمس والنجوم، تُعدّ ظاهرة سماوية أخرى تُزيّن جسد نوت بصفتها سم

تصور آلهة السماء
في دراسة سابقة نُشرت في أبريل 2024، درس الدكتور جراور نصوصًا قديمة مثل نصوص الأهرام، ونصوص التوابيت، وكتاب نوت. وقارنها بمحاكاة لسماء الليل ليُثبت أن مجرة درب التبانة ربما لفتت الانتباه إلى دور نوت السماوي.
ووفقًا لهذا الرأي، ربما أبرز قوس المجرة أذرع نوت خلال الشتاء، وتتبع عمودها الفقري خلال الصيف. ولكن بعد دراسة المزيد من الصور المرئية، بدأت الصورة تتغير.
النصوص، في حد ذاتها، أوحت بإحدى طرق التفكير في العلاقة بين نوت ودرب التبانة. أما تحليل رسوماتها البصرية على التوابيت وجداريات المقابر فقد أضاف بُعدًا جديدًا، ورسم – حرفيًا – صورة مختلفة.
تصوير المصريين لمجرة درب التبانة
هذا العمل جزء من مشروع أوسع نطاقًا يدرس أساطير مجرة درب التبانة عبر الثقافات، وقد بدأ كل شيء بنزهة عائلية.
يقول الدكتور جراور: “صادفتُ إلهة السماء ‘نوت’ أثناء تأليفي كتابًا عن المجرات وتعمقي في أساطير درب التبانة.
وقد أثار اهتمامي زيارةٌ لمتحفٍ مع بناتي، حيث أُعجبن بصورة امرأةٍ مقوسة، وظللن يسألن عن قصصٍ عنها.”
ما بدأ كلحظة فضول بريئة مع الأطفال، تحوّل إلى طريقة جديدة للتفكير في كيفية نظر البشر إلى السماء ليلًا.
وبالنسبة للمصريين القدماء، يبدو أن مجرة درب التبانة لم تكن مجرد شريطٍ من الضوء، بل كانت ضربةً مرسومة على جسد الإلهة السماوية، وجسرًا يربط بين الأسطورة والنجوم.
وقد نُشرت الدراسة كاملة في مجلة التاريخ والتراث الفلكي.





