«الحياة أو الموت».. النينيو والجفاف يضعان قناة بنما في مواجهة أزمة مناخية خطيرة

الجفاف يخنق قناة بنما.. أزمة مياه تهدد التجارة العالمية ومليوني شخص ومزارع يبيعون ماشيتهم للبقاء

تواجه بنما أزمة مياه تتجاوز حدود الجفاف الزراعي، لتهدد أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وإمدادات مياه الشرب لملايين السكان، وقطاعًا زراعيًا بدأ بعض مربي الماشية فيه بيع حيواناتهم لتجنب نفوقها بسبب العطش ونقص الغذاء.

فبعد موسم أمطار لم يوفر المياه اللازمة لتجديد الأنهار والجداول والمراعي، تستعد البلاد لموسم جفاف قد تشتد حدته مع ظاهرة النينيو، في وقت تعتمد فيه قناة بنما على بحيرات المياه العذبة لتشغيل الأهوسة التي تسمح للسفن بالعبور بين المحيطين الأطلسي والهادئ.

وأعلنت الحكومة حالة طوارئ وطنية في أغسطس، تمتد حتى يونيو 2027، وسط توقعات بعجز في هطول الأمطار يتجاوز 50% في بعض المناطق حتى ديسمبر، وفقًا لتقرير نشرته صحيفة «الجارديان» البريطانية في 20 أكتوبر 2026.

وتكشف الأزمة عن مفارقة مناخية واقتصادية حادة: فبنما، رغم وفرة الأمطار التي تتمتع بها تاريخيًا، تواجه مشكلات في تخزين المياه وإدارتها وتوزيعها، فيما أصبحت قدرتها على حماية الزراعة وتأمين مياه الشرب واستمرار الملاحة مرتبطة بمدى استعدادها لموجات الجفاف المتزايدة.

النينيو والجفاف يضعان قناة بنما في مواجهة أزمة مناخية خطيرة

مزارعون يبيعون ماشيتهم.. الجفاف يضرب إنتاج الغذاء

في منطقة أزويرو الزراعية، الواقعة ضمن ما يُعرف بـ«القوس الجاف» في بنما، تتراجع المراعي التي يعتمد عليها المزارعون في تغذية الماشية خلال أشهر الجفاف.

وكان من المفترض أن يجدد موسم الأمطار، الذي يمتد عادة من مايو إلى ديسمبر، الأعشاب والمراعي ويعيد ملء الآبار والجداول والأنهار. لكن قلة الأمطار حالت دون ذلك، تاركة المزارعين أمام نقص متزايد في المياه والأعلاف قبل دخول الفترة الأكثر جفافًا.

ويقول المزارع روبرت ديلجادو إن إنتاج الحليب لديه انخفض إلى النصف، وإنه اضطر إلى بيع بعض الماشية خوفًا من عدم قدرته على توفير المياه والغذاء لها خلال الأشهر المقبلة.

وأوضح أن مزارعين اضطروا إلى بيع أو ذبح حيوانات ذات قيمة وراثية مرتفعة، لتجنب مشهد نفوقها بسبب العطش أو الجوع.

ولا تقتصر الخسارة على انخفاض إنتاج الحليب أو اللحوم في الوقت الحالي؛ فبيع الحيوانات المخصصة للتكاثر قد يضعف قدرة المزارع على إعادة بناء قطعانه مستقبلًا، حتى بعد تحسن الأمطار وعودة المراعي إلى النمو.

ويحذر ديلجادو من أن استمرار هذه الظروف، بالتزامن مع أزمة المناخ، قد يدفع القطاع الزراعي إلى خسائر تهدد قدرة بعض المنتجين على مواصلة نشاطهم.

وتواجه زراعة الأرز في مناطق أخرى، بينها كوكليه، ضغوطًا مماثلة، في ظل تراجع المياه المتاحة للري وتأثر الأنشطة الزراعية بالجفاف.

النينيو والجفاف يضعان قناة بنما في مواجهة أزمة مناخية خطيرة

قناة بنما.. أزمة محلية تهدد التجارة العالمية

تُعد قناة بنما أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، إذ تمتد لمسافة تقارب 80 كيلومترًا، وتربط المحيط الأطلسي بالمحيط الهادئ، وتسمح للسفن بتجنب الرحلة الأطول حول الطرف الجنوبي لأمريكا الجنوبية.

ويمر عبر القناة نحو 5% من التجارة البحرية العالمية، بينما تمثل إيراداتها ما يصل إلى 7.7% من الناتج المحلي الإجمالي لبنما، وفق الأرقام الواردة في التقرير.

لكن القناة تعتمد على المياه العذبة لتشغيل الأهوسة التي ترفع السفن أو تخفضها بين مستويات المياه المختلفة على امتداد الممر الملاحي.

وتعتمد منظومة المياه هذه بصورة أساسية على بحيرتي جاتون وألاخويلا، اللتين تغذيان القناة وتوفران أيضًا المياه لعدد كبير من السكان.

وفي سبتمبر، أدت المستويات المنخفضة للمياه مرتين إلى فرض قيود على عدد السفن التي تعبر القناة يوميًا، ورغم رفع بعض القيود، تستعد السلطات لاحتمال عودة ضغوط أكبر مع بدء موسم الجفاف في ديسمبر، إذا تفاقمت آثار النينيو.

وتوضح هذه التطورات كيف يمكن لنقص الأمطار في دولة واحدة أن يتحول إلى مشكلة تتجاوز حدودها، عبر التأثير في حركة السفن وسلاسل الإمداد وتكاليف النقل البحري.

النينيو والجفاف يضعان قناة بنما في مواجهة أزمة مناخية خطيرة

النينيو وتغير المناخ.. لماذا تتزايد المخاطر؟

حذر وزير البيئة البنمي خوان نافارو من خطورة الوضع، معتبرًا أن تغير المناخ ساهم في زيادة تواتر الظواهر المناخية المتطرفة وشدتها.

وقال نافارو إن ظاهرة النينيو كانت تُسجل تاريخيًا على فترات تتراوح بين 10 و20 عامًا، بينما تسببت موجة عام 2023 في خسائر لإيرادات قناة بنما قاربت مليار دولار، وفق تصريحه الوارد في التقرير.

ويشير الوزير إلى أن المؤشرات العلمية المتعلقة بظاهرة النينيو المقبلة تنذر بمخاطر كبيرة، وإن كانت شدتها النهائية وتأثيراتها الفعلية لا تزال تعتمد على تطور الظروف المناخية.

وتنشأ ظاهرة النينيو من ارتفاع غير معتاد في درجات حرارة سطح المياه في المنطقة الاستوائية من المحيط الهادئ، ويمكن أن تغير أنماط الأمطار ودرجات الحرارة في مناطق واسعة من العالم.

وفي بنما، قد يؤدي اجتماع موسم أمطار ضعيف مع موسم جفاف أشد إلى انخفاض مخزون المياه في البحيرات والخزانات، وزيادة المنافسة على الموارد بين تشغيل القناة ومياه الشرب والزراعة وتوليد الكهرباء الكهرومائية.

ولا تعني هذه العلاقة أن كل موجة جفاف سببها تغير المناخ وحده؛ لكن الاحترار العالمي يمكن أن يزيد المخاطر المرتبطة بالجفاف والحرارة الشديدة، ويجعل إدارة المياه أكثر تعقيدًا في المناطق المعرضة لتقلبات الأمطار.

خزان جديد بـ1.5 مليار دولار.. حل للمياه أم تهديد للمجتمعات؟

تراهن الحكومة البنمية على مشروع طويل الأجل لإنشاء خزان مائي على نهر إنديو، بتكلفة تقارب 1.5 مليار دولار، بهدف دعم إمدادات المياه إلى بحيرة جاتون وتلبية الاحتياجات المتوقعة خلال العقود الخمسة المقبلة.

وقال وزير البيئة، إن المشروع يمثل أحد أهم استثمارات البلاد في تعزيز قدرتها على مواجهة الجفاف وتأمين المياه مستقبلًا.

كما أعلنت الحكومة توجيه نحو 80 مليون دولار إلى إجراءات لتعزيز القدرة على الصمود أمام النينيو، إلى جانب حزمة طوارئ بقيمة 8.2 مليون دولار تتضمن دعم الأعلاف ومعدات الري وغيرها من الاحتياجات العاجلة.

لكن مشروع خزان نهر إنديو أثار اعتراضات حادة من المجتمعات التي ستتأثر بإقامته.

فوفق التقرير، سيؤدي المشروع إلى إغراق أراضي نحو 550 أسرة موزعة على 38 مجتمعًا ريفيًا، بما يشمل قرابة 2500 شخص. وستفقد المنطقة أراضي زراعية، كما ستتأثر منازل ومدارس وكنائس ومقابر، ما يتطلب نقل بعض المجتمعات وإعادة دفن رفات الموتى في مواقع أخرى.

وأقام السكان احتجاجات واتخذوا إجراءات قانونية ونظموا عمليات إغلاق للطرق رفضًا للمشروع، بينما تمضي السلطات في تنفيذه، مع توقعات بإنجازه خلال عامين إلى ثلاثة أعوام.

وتقول الحكومة إن خطط إعادة التوطين ستشمل تعويضات عن المنازل والأراضي والمحاصيل وسبل العيش، إلى جانب دعم الأسر لاستعادة مصادر دخلها، مع إتاحة خيارات تسمح لبعض المجتمعات بالانتقال معًا للحفاظ على الروابط الاجتماعية.

لكن المعترضين يرون أن القضية تتجاوز تعويض الممتلكات، لتشمل خسارة تاريخ اجتماعي وثقافي وأراضٍ خصبة تعتمد عليها الأسر في إنتاج الغذاء وتأمين دخلها.

وقال فلورنتينو تشيرُو، نائب رئيس منظمة «التنسيقية الفلاحية من أجل الحياة وضد السدود»، إن مغادرة هذه الأراضي تعني التخلي عن تاريخ أجيال كاملة، وفقدان مصدر المعيشة الأساسي لكثير من الأسر.

وهكذا تواجه بنما معضلة صعبة: تأمين المياه لملايين السكان واستمرار عمل القناة من جهة، وحماية حقوق المجتمعات الريفية التي قد تتحمل تكلفة المشروع من جهة أخرى.

النينيو والجفاف يضعان قناة بنما في مواجهة أزمة مناخية خطيرة

بلد غني بالمياه.. لكن مئات الآلاف يفتقرون إلى إمدادات موثوقة

تكشف الأزمة عن خلل أعمق في إدارة الموارد المائية، فالمشكلة لا ترتبط فقط بكمية الأمطار، بل أيضًا بقدرة البنية التحتية على تخزين المياه وتنقيتها ونقلها إلى السكان.

ورغم أن بنما من البلدان الغزيرة الأمطار، لا يزال مئات الآلاف من السكان يفتقرون إلى إمدادات موثوقة من مياه الشرب.

ووفق تحقيق أشار إليه التقرير، يفتقر نحو 240 ألف بنمي إلى الوصول المنتظم إلى مياه الشرب، بينما تعتمد بعض المجتمعات الواقعة داخل حوض القناة على مياه الأمطار والخزانات والإمدادات غير الرسمية.

وتقدر الحكومة أن بعض المناطق تفقد نحو 50% من المياه بسبب تقادم الأنابيب وتسرباتها.

ويقر وزير البيئة بأن إدارة أحواض المياه، وعدم كفاية منشآت تنقية المياه ومعالجتها، إلى جانب الفاقد الكبير في شبكات التوزيع، تمثل تحديات رئيسية أمام البلاد.

وتعني هذه الأرقام أن زيادة مصادر المياه وحدها لن تكون كافية إذا استمرت الخسائر داخل الشبكات، أو لم تتوافر القدرة على معالجة المياه وتوزيعها بكفاءة.

ومن ثم، فإن مواجهة الأزمة تتطلب الجمع بين إنشاء الخزانات، وصيانة شبكات المياه، وتحديث محطات التنقية والمعالجة، وتحسين إدارة أحواض الأنهار، وضمان وصول المياه إلى المجتمعات الأكثر تضررًا.

لماذا لا تكفي الاستثمارات طويلة الأجل لإنقاذ المزارعين الآن؟

النينيو والجفاف يضعان قناة بنما في مواجهة أزمة مناخية خطيرة

رغم أهمية المشروعات الكبرى لتأمين المياه مستقبلًا، فإن أثرها لن يظهر بالسرعة التي تحتاج إليها الأسر الزراعية التي تواجه الجفاف حاليًا.

فالمراعي التي لم تتجدد خلال موسم الأمطار لا تستطيع توفير الأعلاف اللازمة للماشية، بينما قد يؤدي نقص المياه إلى تراجع إنتاج الحليب واللحوم وبيع قطعان التكاثر، وهو ما يهدد دخل المزارعين على المدى الطويل.

كما أن استعادة القطيع بعد بيعه أو نفوقه تحتاج إلى وقت وتكاليف إضافية، حتى إذا تحسنت الظروف المناخية.

ويحذر ديلجادو من أن ما يفقده المزارعون اليوم سيحتاجون إليه بشدة في المستقبل، في إشارة إلى أن الأزمة لا تقتصر على موسم زراعي واحد، بل قد تترك آثارًا مستمرة في القدرة الإنتاجية للقطاع.

وتبرز هنا ضرورة الجمع بين الحلول الهيكلية طويلة الأجل وإجراءات الطوارئ الفورية، مثل توفير الأعلاف والمياه للماشية، ومساعدة المزارعين على إدارة الري، ودعم المجتمعات التي تتعرض لخسائر في الإنتاج والدخل.

أزمة بنما إنذار للدول التي تعتمد على المياه في الاقتصاد

تكشف أزمة بنما أن تغير المناخ لا يهدد الزراعة أو الموارد الطبيعية كلًا على حدة، بل يمكن أن يضغط في الوقت نفسه على التجارة الدولية ومياه الشرب والطاقة والأمن الغذائي.

فالمياه التي تحتاج إليها السفن لعبور القناة هي نفسها جزء من منظومة مياه الشرب التي تعتمد عليها المدن، بينما يحتاج إليها المزارعون للحفاظ على المحاصيل والماشية، وتعتمد عليها محطات لتوليد الكهرباء الكهرومائية.

وعندما تتراجع الأمطار، تصبح هذه الاستخدامات المتنافسة أمام اختبار صعب، خصوصًا إذا كانت شبكات المياه قديمة، والتخزين غير كافٍ، والاستعداد لموجات الجفاف محدودًا.

ولا يقتصر الدرس على بنما؛ فالدول التي تعتمد على الأنهار والخزانات والممرات المائية في اقتصاداتها تحتاج إلى التخطيط للمخاطر المناخية، وتنويع مصادر المياه، وتقليل الفاقد، وحماية النظم البيئية التي تغذي الأحواض المائية.

الخلاصة: لم تعد أزمة بنما مجرد مشكلة جفاف موسمي؛ إنها اختبار لقدرة دولة تعتمد على ممر ملاحي عالمي على الموازنة بين المياه والتجارة والغذاء وحقوق المجتمعات المحلية.

ومع اقتراب موسم الجفاف، قد يتحدد مستقبل القناة والمزارع ومياه الشرب بمدى نجاح البلاد في إدارة مورد أصبح أكثر هشاشة أمام تقلبات المناخ.

↑
Exit mobile version