قفازات المطاط الطبية تتحول إلى أداة لاحتجاز الكربون
من نفايات طبية إلى حل مناخي.. قفازات النيتريل تلتقط ثاني أكسيد الكربون
في ظل تزايد الضغوط لإيجاد حلول مبتكرة لأزمتي النفايات والانبعاثات، كشفت دراسة حديثة عن إمكانية تحويل قفازات النيتريل المطاطية أحادية الاستخدام إلى مادة قادرة على احتجاز ثاني أكسيد الكربون وإعادة إطلاقه بشكل متكرر، ما يفتح مسارًا مزدوجًا لمعالجة مشكلتين بيئيتين في آن واحد.
البحث قاده فريق من Aarhus University ضمن مجموعة Skydstrup التابعة لمركز أبحاث ثاني أكسيد الكربون (CORC) الممول من مؤسسة نوفو نورديسك، حيث طور العلماء طريقة كيميائية لتحويل القفازات المستعملة إلى مادة ممتزة لغاز CO2.
نفايات يصعب تدويرها
تُنتج قفازات النيتريل بأعداد هائلة سنويًا، خصوصًا في القطاع الصحي، وغالبًا ما يتم التخلص منها بالحرق أو الطمر بعد استخدام واحد فقط، وعلى عكس الزجاجات البلاستيكية التي يمكن إعادة تدويرها نسبيًا بسهولة، تُعد هذه القفازات من المواد البلاستيكية المختلطة أو المعالجة كيميائيًا، ما يجعل إعادة تدويرها التقليدية صعبة ومكلفة.
الحرق، وهو المصير الشائع لها، يؤدي إلى إطلاق ثاني أكسيد الكربون وغازات ضارة أخرى، ما يحولها من أداة حماية صحية إلى عبء بيئي.

من مطاط مهمل إلى مادة لالتقاط الكربون
تعتمد الطريقة الجديدة على مرحلتين أساسيتين:
أولًا، يتم تقطيع القفازات إلى أجزاء صغيرة.
ثانيًا، تخضع هذه الأجزاء لتفاعل كيميائي باستخدام محفز قائم على عنصر الروثينيوم وغاز الهيدروجين، ما يحول البنية الكيميائية للمطاط ويمنحه خصائص جديدة تمكّنه من التقاط ثاني أكسيد الكربون من غازات العادم الصناعية.
تم اختبار المادة باستخدام غازات احتراق محاكاة، وهي خطوة مهمة نظرًا لأن الانبعاثات الصناعية تحتوي على خليط معقد من الغازات وليس CO2 نقيًا.

إسفنجة كربونية قابلة لإعادة الاستخدام
الميزة الجوهرية في الابتكار لا تقتصر على قدرة المادة على الامتصاص، بل تمتد إلى إمكانية تجديدها. فعند تسخين المادة، تطلق ثاني أكسيد الكربون الذي التقطته، ليُخزن لاحقًا تحت الأرض أو يُستخدم في عمليات تحويل الكربون إلى وقود أو منتجات كيميائية ضمن تقنيات Power-to-X .
بعد إطلاق الغاز، تستعيد المادة قدرتها على الامتصاص، ما يسمح باستخدامها في دورات متكررة دون أن تتحول مجددًا إلى نفايات.

تقليل الاعتماد على المواد الأحفورية
تتميز معظم مواد احتجاز الكربون التقليدية بأنها تُصنّع من مواد أولية جديدة غالبًا ما تعتمد على النفط، أما في هذا النهج، فإن المادة الأساسية تأتي من نفايات موجودة بالفعل، ما يقلل الحاجة لاستخراج موارد أحفورية إضافية.
وبحسب الفريق البحثي، فإن معظم ذرات المادة الناتجة تأتي من القفازات نفسها، باستثناء كمية محدودة من الهيدروجين، ما يعزز كفاءة استخدام الموارد.
تحديات التوسع والتكلفة
رغم النتائج الواعدة، لا تزال التقنية في مراحلها التجريبية المبكرة، إذ تُجرى التفاعلات حاليًا على نطاق غرامات فقط، الانتقال إلى نطاق الكيلوغرامات أو الاستخدام الصناعي يفرض تحديات تتعلق بنقل الحرارة، وكفاءة المزج، والتكلفة.
كما أن الاعتماد على محفز الروثينيوم، وهو عنصر مرتفع الثمن، يشكل عقبة اقتصادية ينبغي معالجتها عبر تطوير بدائل أقل تكلفة أو تحسين أنظمة إعادة تدوير المحفز.

بين المختبر والطموح الصناعي
الدراسة، المنشورة في مجلة CHEM، تمثل إثباتًا للمفهوم أكثر من كونها حلًا جاهزًا للتطبيق.
لكنها تقدم رؤية مختلفة لاقتصاد الكربون، حيث تتحول مادة مصنفة كنفايات صعبة الإدارة إلى مورد يمكن أن يسهم في خفض الانبعاثات.
في عالم يسعى لاحتجاز مليارات الأطنان من ثاني أكسيد الكربون سنويًا بحلول منتصف القرن، قد تلعب مثل هذه الابتكارات دورًا مهمًا في دمج إدارة النفايات مع تقنيات المناخ، ضمن نهج دائري يقلل الانبعاثات ويعظم الاستفادة من الموارد.





