بينما يواصل العالم التوسع في مشروعات الطاقة المتجددة لمواجهة أزمة المناخ والابتعاد عن الوقود الأحفوري، تتراجع كفاءة استخدام الطاقة إلى موقع أقل اهتمامًا، رغم أنها تمثل أحد المفاتيح الأساسية لخفض الانبعاثات وتلبية الطلب المتزايد على الكهرباء.
وفي عام 2023، اتفقت نحو 200 دولة خلال مؤتمر الأطراف للمناخ COP28 في مدينة إكسبو دبي على تغيير جذري في علاقة العالم بالطاقة، عبر التعهد بمضاعفة معدل التحسن في كفاءة الطاقة من 2% إلى 4% سنويًا، إلى جانب مضاعفة قدرة توليد الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة ثلاث مرات لتصل إلى ما لا يقل عن 11 ألف جيجاوات بحلول عام 2030.
وكان من المفترض أن يعمل المساران معًا على بناء اقتصاد عالمي أكثر نظافة وكفاءة، إلا أن التطورات الأخيرة تشير إلى فجوة واضحة بين التقدم في الطاقة المتجددة والتقدم في كفاءة استخدام الطاقة.
وتشير أبحاث إلى أن العالم يسير نحو تحقيق هدف زيادة قدرات الطاقة المتجددة، مع نمو سنوي يقارب 30% خلال الفترة بين 2023 و2025.
في المقابل، تباطأ معدل التحسن في كفاءة الطاقة إلى نحو 1% خلال عام 2024، قبل أن يرتفع إلى 1.8%، وفق تقديرات وكالة الطاقة الدولية.
وترجع وكالة الطاقة الدولية هذا الأداء الضعيف إلى مجموعة من العوامل، من بينها النمو القوي في الطلب على الطاقة داخل القطاعات الصناعية، والثغرات في السياسات، واتساع استخدام أجهزة تكييف الهواء الأقل كفاءة، إلى جانب النمو الإجمالي في الطلب على الطاقة، والذي لم تتمكن مصادر الطاقة المتجددة حتى الآن من تغطيته بالكامل.
الصناعة والذكاء الاصطناعي يرفعان الطلب على الكهرباء
تتزايد الضغوط على أنظمة الكهرباء العالمية مع استمرار نمو الطلب.
ومن المتوقع أن يرتفع الطلب العالمي على الكهرباء بنسبة 3.8% في عام 2027، مقارنة بنحو 3% في عام 2025.
ويرتبط جزء كبير من هذا النمو بالصناعات الثقيلة، مثل الصلب والكيماويات والأسمنت، التي لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على الوقود الأحفوري لتشغيل مصانعها كثيفة الاستهلاك للطاقة.
وفي الوقت نفسه، يضيف التوسع السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي ضغطًا جديدًا على شبكات الكهرباء، مع إنشاء مراكز بيانات جديدة تحتاج إلى كميات ضخمة من الكهرباء.
ووفق السيناريوهات المحافظة، يمكن أن يتضاعف استهلاك مراكز البيانات للكهرباء بحلول عام 2030، بينما قد يرتفع استهلاك مراكز البيانات المخصصة لخدمات الذكاء الاصطناعي بنحو 30% سنويًا خلال الفترة نفسها.
ومع استمرار هذه الاتجاهات، تزداد تكلفة الانتقال إلى تقنيات أنظف وأكثر كفاءة، ما يجعل خفض الطلب على الطاقة وتحسين كفاءة استخدامها جزءًا أساسيًا من عملية التحول.
سياسات الطاقة بحاجة إلى التحديث
رغم تغير طبيعة التكنولوجيا وأنماط استهلاك الطاقة، فإن الأهداف العالمية المعلنة خلال السنوات الأخيرة لم تتغير، وهو ما يضع صانعي السياسات أمام تحدٍ، وفي الوقت نفسه أمام فرصة لإعادة توجيه السياسات بما يتناسب مع الواقع الجديد.
وتوضح التجربة الأوروبية هذا المسار.
فعندما اعتمد الاتحاد الأوروبي توجيه كفاءة الطاقة للمرة الأولى عام 2012، كان قطاع الطاقة العالمي مختلفًا بصورة كبيرة عما هو عليه اليوم، ولذلك جرى تحديث التشريع مرتين، في عامي 2018 و2023.
ويرى ماريو جيوردانو، الرئيس العالمي للشؤون العامة والحكومية في شركة الإضاءة «Signify»، أن التشريع كان ذا تأثير كبير في السوق، لأنه وفر قدرًا طويل الأجل من اليقين من خلال أهداف ملزمة، والتزامات لتوفير الطاقة، ومتطلبات لتجديد المباني.
وساعد هذا الاستقرار الشركات على التخطيط لاستثماراتها وبدء عمليات الابتكار على أساس سياسات واضحة ومستقرة
وارتبطت هذه السياسات بتحسن معدلات كفاءة الطاقة في دول الاتحاد الأوروبي، إذ تشير بيانات يوروستات إلى أن الاتحاد الأوروبي استخدم في عام 2024 كمية من الطاقة هي الأدنى على الإطلاق، وبما يقل بنسبة 20% عن مستويات عام 2006، الذي كان يمثل نقطة تاريخية مرتفعة في استهلاك الطاقة.
وتتمثل إحدى الخطوات التالية في أوروبا في توجيه أداء الطاقة للمباني، الذي يستهدف تطوير المباني القديمة وإدخال معيار للانبعاثات الصفرية للمباني العامة الجديدة.
ويقول جيوردانو إن هذه الخطوة تمثل فرصة كبيرة لتجديد مخزون المباني في القارة، مشيرًا إلى أن الإضاءة موجودة في كل مكان تقريبًا، ما يجعل الانتقال واسع النطاق من الإضاءة التقليدية إلى مصابيح LED عالية الكفاءة أحد المجالات الرئيسية للتحسين، خصوصًا في المباني ذات الأداء الضعيف.
وقد يوفر هذا النهج التشريعي نموذجًا يمكن لدول أخرى الاستفادة منه عند تطوير سياسات تستهدف رفع معدلات كفاءة الطاقة.
هل يستطيع العالم الوصول إلى تحسن بنسبة 4%؟
يقول جيروم بيلودو، مدير برنامج كفاءة الطاقة في وكالة الطاقة الدولية، إن العالم ليس على المسار الحالي لتحقيق هدف تحسين كفاءة الطاقة بنسبة 4% الذي أُعلن خلال COP28، لكنه يرى أن الهدف قابل للتحقيق إذا جرى تطبيق السياسات المناسبة.
وأوضح أن 9 من كل 10 دول حققت معدل تحسن في كفاءة الطاقة بنسبة 4% على الأقل خلال عام واحد في وقت ما خلال العقد الماضي.
وأشار إلى وجود نماذج عديدة لسياسات فعالة في مجال كفاءة الطاقة حول العالم، فضلًا عن استمرار الحكومات في إدخال سياسات جديدة أو تحديث القائم منها.
وبحسب وكالة الطاقة الدولية، أعلنت دول تمثل نحو 85% من الطلب العالمي على الطاقة عن مئات السياسات الجديدة أو المحدثة خلال عام 2025 وحده.
كما أدى ما تصفه المادة بأزمة الطاقة العالمية الناتجة عن إغلاق مضيق هرمز إلى تسريع إجراءات ترشيد الطلب على الطاقة، مع تطبيق عشرات الدول حزمة من السياسات الجديدة لخفض استهلاك الطاقة.
وترى وكالة الطاقة الدولية أن سد الثغرات الموجودة في السياسات الحالية ورفع طموح الإجراءات القائمة يمكن أن يساعدا في الوصول إلى معدل التحسن المستهدف البالغ 4%.
وبعض هذه الثغرات يمكن معالجته بإجراءات مباشرة نسبيًا، مثل وضع معايير لكفاءة الطاقة في المباني الجديدة، وهو مجال تقول وكالة الطاقة الدولية إنه لا يزال يفتقر إلى معايير كافية في نحو نصف دول العالم تقريبًا.
ومع تطور التكنولوجيا، تحتاج هذه السياسات نفسها إلى التحديث بصورة مستمرة.
ويشير بيلودو إلى أن مبنى يلتزم بمعيار الكفاءة المحلي في إحدى الدول قد يستهلك فعليًا ثلاثة أضعاف الطاقة التي يستهلكها مبنى آخر في دولة ذات مناخ مشابه، لكنها تطبق معايير أعلى لكفاءة الطاقة.
الطاقة المتجددة والكهرباء والكفاءة.. نظام واحد
ويرى جيوردانو، أن التعامل مع الطاقة يجب أن يتم من منظور متكامل، مع تزايد التوافق بين قطاعات مختلفة على أن كفاءة الطاقة والكهرباء والطاقة المتجددة ليست مسارات منفصلة للسياسات، وإنما أجزاء من نظام واحد متكامل.
وفي هذا النظام، يمكن للإضاءة أن تلعب دورًا مهمًا باعتبارها إجراءً واسع النطاق وفعالًا من حيث التكلفة لتحسين الكفاءة.
فالإضاءة تقنية ناضجة وموجودة بالفعل في معظم المباني والشوارع والمدن، ما يعني أن تحديثها يمكن أن يتم بسرعة نسبيًا، مع تحقيق وفورات مباشرة في استهلاك الكهرباء.
ويقول جيوردانو، إن خفض استهلاك الكهرباء يمكن أن يؤدي في الوقت نفسه إلى تقليل الانبعاثات، وتحرير كميات من الكهرباء يمكن استخدامها في عمليات التحول إلى الكهرباء، فضلًا عن توفير أموال يمكن استثمارها في مجالات أخرى.
وتشير أحدث الأرقام إلى أن الإضاءة تمثل نحو 8% من الطلب العالمي على الكهرباء.
وتقدر شركة Signify ، أن التحول إلى تقنيات LED عالية الكفاءة يمكن أن يوفر كمية من الكهرباء تكفي لتشغيل ما يصل إلى 300 مليون مضخة حرارية، أو 400 مليون سيارة كهربائية حول العالم.
لكن تحسين الإضاءة لا يمثل سوى جزء من تحول أكبر مطلوب لتطوير أنظمة الطاقة في مختلف الدول، بحيث تعتمد الأجهزة والعمليات الأكثر كفاءة على مصادر الكهرباء المتجددة.
كما يمكن لاستخدام الطاقة بصورة أكثر ذكاءً ومرونة، مثل تشجيع استهلاك الكهرباء في الأوقات التي يرتفع فيها إنتاج الطاقة المتجددة، أن يرفع معدلات الكفاءة ويخفف الضغط على الشبكات.
تجربة ليفربول.. عندما تصبح الإضاءة أكثر ذكاءً
وتقدم مدينة ليفربول الإنجليزية مثالًا على هذا الاتجاه، بعدما شهد عام 2026 استكمال مشروع لتركيب نظام «الإضاءة المتكيفة مع حركة المرور» على طرق رئيسية تربط بين ملعب كرة قدم جديد ووسط المدينة.
ويتيح النظام للمجلس المحلي الاستجابة للتغيرات الفورية في الطلب على الكهرباء، مثل الارتفاع الكبير في الاستخدام خلال أيام المباريات، بما يسمح بتلبية احتياجات السكان والمستخدمين بصورة أكثر كفاءة.
وبحسب شركة Signify، يمكن أن يوفر هذا النهج ما يصل إلى 30% من التكاليف خلال العقد المقبل.
جعل كل وحدة طاقة أكثر قيمة
تتكرر في قطاع الطاقة عبارة مفادها أن «أفضل إلكترون أخضر هو ذلك الذي لا نستخدمه».
وبينما يحقق العالم تقدمًا مستمرًا في الابتعاد عن الوقود الأحفوري، تتواصل إضافة مشروعات الرياح والطاقة الشمسية بمعدلات قياسية، مع انتشارها على نطاق واسع في مختلف القارات.
لكن الاندفاع نحو إضافة قدرات توليد جديدة قد يصاحبه خطر آخر، يتمثل في عدم إعطاء كفاءة استخدام الطاقة الاهتمام نفسه.
فالقدرة على توليد المزيد من الكهرباء النظيفة لا تعني بالضرورة أن أنظمة الطاقة أصبحت أكثر كفاءة في استخدامها.
ومن دون جهد منسق لجعل كل وحدة من الطاقة تؤدي وظيفة أكبر، يمكن أن تتراجع مكاسب التحول إلى الطاقة المتجددة أمام الزيادة السريعة في الطلب، خصوصًا مع توسع الصناعة الثقيلة ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي.
ويرى خبراء في قطاع الطاقة أن السياسات الأكثر قوة واستهدافًا تمثل خطوة أساسية نحو تحقيق أهداف كفاءة الطاقة، إلا أن الوقت المتاح للوصول إلى أهداف 2030 يتقلص سريعًا، ما يجعل تحسين كفاءة الاستهلاك عنصرًا لا يقل أهمية عن إضافة المزيد من مصادر الطاقة النظيفة.
