فيضانات وانهيارات وأكثر من 31 ضحية بينهم 7 أطفال بسبب البرد.. منخفض قطبي شديد البرودة يضرب غزة والمنطقة
خيام النازحين في غزة تحت رحمة الأمطار الغزيرة والرياح العاتية
تشهد دول الحوض الشرقي للبحر المتوسط، إلى جانب بعض مناطق الخليج ومصر، موجة طقس قاسية بفعل منخفض جوي قطبي، مصحوب برياح عاتية وأمطار غزيرة وتساقط كثيف للثلوج على المرتفعات. وتركز تأثير المنخفض بشكل كبير على سوريا ولبنان والأردن والأراضي الفلسطينية، حيث تسببت العواصف في فيضانات محلية، وانقطاع للطرق، وتعطل مرافق عامة وحياة المواطنين اليومية.
وتشير الخرائط الجوية إلى تمركز منخفض جوي فوق تركيا، ما أدى إلى اضطراب واسع في طبقات الجو السفلى، بينما أدت الدوامة القطبية، مع الاحترار الستراتوسفيري المفاجئ، إلى اندفاع كتل هوائية شديدة البرودة نحو شرق المتوسط، ما ساهم في تشديد وطأة المنخفض وزيادة شدته.

الدوامة القطبية والاحترار الستراتوسفيري المفاجئ
يعود سبب شدة البرد إلى الظاهرة المعروفة باسم “الاحترار الستراتوسفيري المفاجئ”، التي تشهد فيها طبقة الستراتوسفير ارتفاعًا مفاجئًا في درجة الحرارة فوق القطب الشمالي، ما يؤدي إلى إضعاف الدوامة القطبية التي تحبس الهواء البارد في الشمال. وعندما تضعف هذه الدوامة، تتسرب كتل الهواء البارد نحو خطوط العرض الوسطى، مسببة منخفضات جوية شديدة البرودة وعواصف ثلجية وأمطار غزيرة في مناطق الشرق المتوسط.

وتوضح الدراسات العلمية أن هذه الظاهرة لا تسبب كل مرة منخفضات قوية، لكنها تزيد من احتمالية حدوث عواصف عالية التأثير، كما حدث مؤخرًا في فلسطين وسوريا ولبنان.

تداعيات المنخفض على مخيمات النازحين في غزة
في قطاع غزة، أصبح المنخفض القطبي الحالي كارثة إنسانية جديدة، خاصة للنازحين الذين يعيشون في خيام غير مجهزة لمواجهة البرد والأمطار. وأفاد المكتب الإعلامي الحكومي أن نحو 127 ألفًا من أصل 135 ألف خيمة أصبحت غير صالحة للإقامة، حيث غرقت بعضها في مياه الأمطار وتطايرت أخرى بفعل الرياح العاتية.

وأوضح رئيس المكتب إسماعيل الثوابتة أن أزمة الأغطية والفراش والإيواء حادة، خصوصًا لدى الأسر المقيمة في المناطق النائية والمهترئة، وأن نسبة نقص وسائل التدفئة تتجاوز 70% على مستوى القطاع. وأضاف أن استمرار المنخفضات الجوية يزيد من تعرض الأطفال والنساء وكبار السن لمخاطر صحية جسيمة، بما فيها أمراض الجهاز التنفسي والمعدية.

الأضرار البشرية والمادية
تسببت الأمطار الغزيرة والرياح القوية في مصرع 24 فلسطينيًا منذ بدء الحرب في أكتوبر 2023، بينهم 21 طفلاً، مع تسجيل وفيات جديدة جراء انهيارات جزئية لمبانٍ متضررة من القصف الإسرائيلي السابق. وأفاد الدفاع المدني بسقوط أربعة فلسطينيين إضافيين نتيجة انهيارات منازل ومبانٍ متضررة بفعل مياه الأمطار والرياح.

كما أدت العواصف إلى اقتلاع أشجار وسقوط أعمدة الإنارة، وتطاير ألواح الطاقة الشمسية، ما زاد المخاطر على المدنيين. وحذرت جمعية “يـازا” من تداعيات الإهمال في تثبيت أنظمة الطاقة الشمسية ولوحات الإعلانات على الطرق والمباني، محذرة من أن أي تقصير قد يؤدي إلى خسائر بشرية ومادية جسيمة.

الأوضاع في سوريا ولبنان والأردن
في سوريا، أدت الأمطار الغزيرة إلى فيضان الأنهار والأودية، خصوصًا في ريف حمص وحماة، ما أغرق المنازل والأراضي الزراعية. وشهدت المرتفعات والطرق الرئيسية في اللاذقية والقلمون تساقطًا كثيفًا للثلوج، مما أدى إلى إغلاق عدد من الطرق واشتداد أزمة النقل والخدمات.

وفي لبنان، اتخذت السلطات إجراءات طارئة لمواجهة المنخفض، شملت إغلاق المدارس والطرق الجبلية، وتحذير السكان من الرياح العاتية التي أدت إلى اقتلاع الأشجار وتطاير ألواح الطاقة الشمسية.
أما الأردن، فواجهت مناطق وادي السير وسيل الزرقا سيولاً جارفة، حيث تجاوزت سرعة الرياح 110 كم/س في الجنوب، ما أدى إلى تضرر البنية التحتية وتهديد الطرق بانهيار محتمل.

هشاشة البنية التحتية والأزمة الإنسانية
توضح الأزمة الحالية هشاشة البنية التحتية في مناطق النزوح، لا سيما غزة وشمال سوريا، حيث تعاني مخيمات اللاجئين من نقص حاد في الأغطية والفراش ووسائل التدفئة، كما أن معظم المباني المتضررة من الحرب السابقة لا تزال غير مؤهلة لتحمل العواصف الشتوية.
وأشار المتحدث باسم بلدية غزة إلى أن الدمار الواسع الذي لحق بشبكات المياه والصرف الصحي والطرق يجعل كل منخفض جوي كارثة إنسانية مضاعفة، ويحول الشتاء إلى فصل من المعاناة والأمراض والوفيات الجماعية.

نداءات عاجلة للمجتمع الدولي
دعت السلطات الفلسطينية والمجتمع المدني والمنظمات الإنسانية الدولية إلى تدخل عاجل لتوفير المأوى الآمن ووسائل التدفئة والمساعدات الأساسية للنازحين، مشيرين إلى أن المنخفض الحالي ليس مجرد طقس قاسٍ، بل اختبار أخلاقي وإنساني للعالم.

ويحتاج نحو 1.1 مليون شخص في غزة إلى مساعدات عاجلة لمواجهة تداعيات المنخفضات الجوية، وسط استمرار الحصار ونقص المساعدات والإمدادات الأساسية منذ سنوات.





