وجهات نظر

د.حسن أبوالنجا: غزة وخطة مارشال جديدة للمياه والطاقة والغذاء

خبير دولي فى الامن المائي والتنمية المستدامه

وسط الركام والأنقاض، وبين شوارع فقدت ملامحها تحت ثقل الدمار، يقف أهل غزة على أعتاب مرحلة فارقة في تاريخهم.

بعد سنوات من الأزمات والحروب، أصبح إعادة بناء البنية التحتية والمياه والطاقة في القطاع ضرورة لا تحتمل التأجيل، ليس فقط لترميم ما تهدم، بل لوضع أسس مستقبل أكثر استدامة وازدهارًا.

فكما نهضت أوروبا من رماد الحرب العالمية الثانية بفضل خطة مارشال، هل يمكن أن يشهد قطاع غزة نموذجًا مشابهًا يعيد إليه الحياة؟

هل يكون الاستثمار في إعادة الإعمار فرصة لتحويل المعاناة إلى قصة نجاح؟

في هذا المقال، نستعرض بالأرقام كيف يمكن تبني نهج شامل لاعاده بناء قطاعات المياه والطاقه والغذاء بشكل مستدام، ويمهد الطريق لازدهار اقتصادي طال انتظاره.

إعادة إعمار غزة

أزمة المياه: شريان الحياة المنقطع

تُعد المياه أحد أكثر القطاعات تضررًا في غزة، حيث انخفضت إمداداتها بنسبة 95% بسبب الحرب، ما دفع السكان للاعتماد على مصادر غير آمنة. حاليًا، تُعتبر 97% من مياه غزة غير صالحة للاستهلاك البشري، مما يعرض الملايين لخطر الأمراض والأوبئة.

يبلغ نصيب الفرد من المياه في غزة 82.7 لترًا يوميًا، مقارنة بـ 89 لترًا في الضفة الغربية، وهو أقل بكثير من الحد الأدنى الموصى به عالميًا (100 لتر يوميًا).

تحتاج إعادة تأهيل شبكات المياه والبنية التحتية إلى استثمارات ضخمة، وإدخال تقنيات حديثة مثل تحلية المياه وتحسين كفاءة الاستخدام.

إعادة إعمار غزة

الأمن الغذائي: أزمة متفاقمة

تعاني غزة من أسوأ أزمة غذائية في تاريخها الحديث، حيث ارتفع انعدام الأمن الغذائي إلى 64.4% في عام 2020، مقارنة بـ 37.8% في الضفة الغربية.

وقد تضاعفت الأزمة بسبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية، حيث زادت أسعار دقيق القمح بنسبة 65%، والمياه المعبأة بنسبة 100%، والخضروات بنسبة 32%.

يعتمد القطاع بشكل شبه كامل على الاستيراد، حيث تستورد فلسطين 91% من القمح و95% من الزيوت النباتية، مما يجعل الأمن الغذائي هشًا وعرضة للاضطرابات.

قبل الحرب، كان 80% من السكان يعتمدون على المساعدات الغذائية، واليوم ارتفعت النسبة بشكل غير مسبوق.

قطاع الطاقة: الظلام يخيم على غزة

تعتمد غزة على 120 ميجاواط من الكهرباء المستوردة من إسرائيل، بينما لا تزال الطاقة الشمسية تشكل 5% فقط من إجمالي الاستهلاك.

وقد دُمرت أكثر من نصف الأنظمة الشمسية التي كانت تُستخدم كمصدر بديل، مما أدى إلى تفاقم الأزمة وانقطاع الكهرباء لفترات طويلة يوميًا.

تفاصيل خطة مارشال الجديدة

1. الإغاثة الإنسانية العاجلة

توفير المياه النظيفة: يجب تأمين وصول فوري للمياه النظيفة من خلال شاحنات نقل المياه، والمياه المعبأة، ونقاط التوزيع اللامركزية، مع إعطاء الأولوية للفئات الأكثر ضعفًا مثل النساء والأطفال.

تشير التقديرات إلى أن هناك حاجة إلى 500,000 لتر من المياه يوميًا لتلبية الاحتياجات الأساسية.

توفير الطاقة لتشغيل البنية التحتية: يجب ضمان إمدادات الوقود اللازمة لتشغيل محطات التحلية ومضخات المياه ومرافق الصرف الصحي، مع إصلاح أو استبدال أنظمة الطاقة الشمسية لتوفير مصدر طاقة مستدام.

حاليًا، 60٪ من محطات التحلية معطلة بسبب نقص الطاقة.

⦁ الصحة والصرف الصحي: تنقية المياه والكلور وأنظمة الترشيح لمنع انتشار الأمراض المنقولة بالمياه.

كما يجب إعادة تأهيل شبكات الصرف الصحي المتضررة لمنع تلوث مصادر المياه، حيث أن أكثر من 100,000 متر مكعب من مياه الصرف الصحي غير المعالجة يتم تصريفها يوميًا في البحر.

2. إعادة تأهيل البنية التحتية للمياه

⦁ إصلاح محطات التحلية: ترميم وتحديث محطات التحلية الثلاثة في غزة لاستعادة قدرتها على إنتاج مياه الشرب النظيفة، وذلك من خلال التمويل الدولي والخبرات الفنية واستيراد المعدات والمواد اللازمة.

تبلغ القدرة الإنتاجية لهذه المحطات مجتمعة حوالي 55,000 متر مكعب يوميًا، ولكنها تعمل حاليًا بأقل من 20٪ من طاقتها.

⦁ إدارة المياه الجوفية: معالجة الإفراط في استغلال وتلوث الخزان الجوفي الوحيد في غزة من خلال تنفيذ ممارسات إدارة المياه المستدامة، وتحسين جودة المياه باستخدام تقنيات معالجة متقدمة، والبحث عن مصادر بديلة للمياه.

تُظهر الدراسات أن 97٪ من مياه الخزان الجوفي غير صالحة للشرب بسبب التلوث والملوحة العالية.

⦁ معالجة مياه الصرف الصحي وإعادة تدويرها: إعادة بناء وتحديث مرافق معالجة مياه الصرف الصحي لضمان التخلص الآمن منها وإعادة استخدامها في الري الزراعي، مما يقلل الضغط على الموارد المائية العذبة.

يمكن أن تؤدي إعادة استخدام المياه المعالجة إلى تقليل الطلب على المياه العذبة بنسبة 30٪.

إعادة إعمار غزة

3. حلول طاقة مستدامة

⦁ توليد الطاقة الشمسية: الاستثمار في أنظمة الطاقة الشمسية لتشغيل محطات تحلية المياه ومرافق الصرف الصحي، مما يقلل الاعتماد على الكهرباء غير المستقرة والوقود الأحفوري.

حاليًا، 35٪ فقط من احتياجات الكهرباء في غزة يتم تلبيتها، مما يعوق تشغيل البنية التحتية للمياه.

⦁ تحسين كفاءة الطاقة: تعزيز استخدام تقنيات كفاءة الطاقة في البنية التحتية للمياه، بما في ذلك ترقية المضخات وشبكات التوزيع لتقليل استهلاك الطاقة.

4. بناء القدرات وتمكين المجتمعات المحلية

⦁ التدريب والتعليم: توفير التدريب للمهندسين والفنيين المحليين لضمان التشغيل والصيانة المستدامة لأنظمة المياه والطاقة، مما يخلق فرص عمل جديدة.

⦁ إشراك المجتمع المحلي: إشراك السكان المحليين في تخطيط وتنفيذ مشاريع المياه والطاقة لضمان تلبية احتياجاتهم الفعلية وتعزيز ملكيتهم للمشاريع.

5. معالجة الأسباب الجذرية للأزمة

⦁ رفع الحصار: إزالة القيود المفروضة على استيراد المواد والمعدات اللازمة لإعادة بناء البنية التحتية للمياه والطاقة، وضمان حرية حركة الأشخاص والبضائع لتسهيل جهود إعادة الإعمار.

حاليًا، يستغرق إدخال المعدات الحيوية للمياه شهورًا بسبب القيود المفروضة على الواردات.

⦁ الدعم الدولي: تعبئة التمويل والمساعدة الفنية الدولية لدعم إعادة الإعمار، من خلال إطار عمل متعدد الأطراف يشمل الأمم المتحدة والدول المانحة والمنظمات الإقليمية.

تتطلب إعادة بناء البنية التحتية للمياه استثمارات ضخمة على مدى السنوات الخمس المقبلة.

إعادة إعمار غزة

رؤية طويلة الأجل

1. نهج متكامل للمياه والطاقة والغذاء

يجب تبني نهج متكامل يربط بين المياه والطاقة والأمن الغذائي لتحقيق تنمية مستدامة، بما يشمل تعزيز الزراعة الذكية مناخيًا، والطاقة المتجددة، والاستخدام الفعال للمياه.

2. تعزيز القدرة على الصمود في وجه الأزمات المستقبلية

يجب تصميم أنظمة المياه والطاقة لتكون مقاومة للصراعات المستقبلية والكوارث الطبيعية، من خلال بناء بنية تحتية لا مركزية وقابلة للإصلاح السريع.

إعادة إعمار غزة

3. استعادة السيادة الفلسطينية على الموارد الطبيعية

يجب ضمان سيطرة الفلسطينيين على مواردهم الطبيعية، بما في ذلك المياه والطاقة، كخطوة أساسية نحو تحقيق التنمية المستدامة والسلام الدائم.

تتطلب الأزمة الإنسانية في غزة استجابة فورية وشاملة لإعادة بناء الحياه والبنية التحتية للمياه والطاقه والغذاء وضمان الوصول لهم باستدامة.

تعد خطة مارشال الجديدة فرصة حقيقية لإنقاذ الأرواح وتعزيز الاستقرار والتنمية.

من خلال الاستثمار في حلول المياه والطاقة المستدامة، وتمكين المجتمعات المحلية، ومعالجة الأسباب الجذرية للأزمة، يمكن للمجتمع الدولي المساهمة في بناء مستقبل أكثر إشراقًا لسكان غزة.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading