د.عاطف معتمد: صُــــدمين.. كهف العصر الحجري في صحراء مصر الشرقية!
أستاذ الجغرافيا الطبيعية بكلية الآداب جامعة القاهرة
يعتبر القطاع الساحلي فيما بين سفاجا والقصير على البحر الأحمر واحدا من أكثر المواقع الجغرافية أهمية في تاريخ مصر.
فمن هذا القطاع انطلق الأسطول البحري المصري في عهد حتشبسوت إلى بلاد بونت في شرق أفريقيا.، قبل ما يقرب من 3500 سنة مضت.
بعد وفاة حتشبوت بنحو 1200 سنة خضعت مصر لاحتلال البطالمة وتسلطن عليها أتباع الإسكندر الأكبر، وبعدهم جاء الرومان لاحتلال مصر، وقد بحثوا جميعا عن الموانئ المصرية القديمة وأقاموا عليها مواقع لخدمة مشروعهم الاستعماري.
ويبدو أن قدماء المصريين من أيام خوفو وحتشبسوت كانوا مندفعين إلى جذور أعمق بكثير في صحراء مصر الشرقية.
جذور تعود لتاريخ الإنسان الأول الذي سكن في هذه المنطقة قبل عشرات آلاف السنين وجاء من شرق إفريقيا.
فلقد توصلت البعثات الأثرية التي عملت في هذه المنطقة في العقود الماضية إلى أدوات حجرية من العصر الحجري في وادي يحمل اسم صُــــــدْمين.

صدمين هو رافد جنوبي لوادي كبير اسمه “قويح”، والأخير وادي شهير في صحراء مصر الشرقية ينتهي إلى البحر الأحمر فيما بين سفاجا والقصير.
العجيب في هذه المنطقة هو تكوينها من صخور نارية سواء من الجرانيت القديم والجديد أو الصخور البركانية أو المتحولة.
ومن المنطقي أن العلماء لا يعثرون على أية أدوات حجرية في الصخور النارية.
لأن هذه الصخور الصلبة الحادة المشرشرة لا تصلح لأن يصنعها إنسان العصر الحجري أدوات من فؤوس وشظايا وسكاكين ومكاشط وإبر ومخارز.
يحتاج إنسان العصر الحجري إلى أحجار أخرى مثل الحجر الجيري الذي يضم عقد ونويات صوانية (مثل الزلط).
يصنع الإنسان أدواته من الحجر الجيري فتستطيع يداه العاريتان أن تمسك بهذا الصخر دون أن تصاب بجروح، ودون أن تنزلق الصخور من يديه، لأن المكون الجيري يشكل مادة عازلة بين اليد المتعرقة الرطبة وبين الصخر الصلب.
وفي نفس الوقت يتستفيد الإنسان من كسر عقد الصوان الصلبة التي تشبه الأمواس الحادة (في بطن هذه الصخور الجيرية) ويستخدمها في صيد الحيوانات وتقطيع لحومها.
نقول إن وادي قويح ورافده صدمين يقعان في وسط الصخور النارية، لكن هناك استثناء جيولوجيا فريدا بوجود صخور جيرية في المنطقة ولا سيما في جبل ضوي وجبل أبو حماد، وفي الأخير يمر وادي صدمين.
في هذه الصخور الجيرية استطاعات مياه الأمطار القديمة أن تصنع كهفا كالذي شاهدناه في مقال أمس عن وادي بلي.
في كهف وادي صدمين عثر العلماء على أدوات حجرية استخدمها صيادو حيوانات العصر الحجري، وقدروا عمر هذه الأدوات بفترة تمتد بين 130 و 70 ألف سنة مضت.
المدهش في كهف صدمين أن العلماء وجدوا أيضا أدوات حجرية تعود إلى 7 آلاف سنة فقط، أي أن هذا الكهف استضاف إنسان العصر الحجري على مدار فترة طويلة من الزمن تمتد في أقصر حدود لها من 70 ألف إلى 7 آلاف سنة.
وهذا يعني أن كهف وادي صدمين مرشح لأن يكون موقع تراث عالمي، إذ لا تجد في العالم مثل تلك المواقع التي حافظت على هذا التفرد البيئي طيلة هذه الآلاف من السنين.
وكما ذكرنا في مقال أمس عن كهف وادي بلي، لم يكن المناخ منتظما دوما في صحراء مصر الشرقية، بل كانت هناك فترات مطيرة تعقبها فترات جفاف، ومن ثم كانت الاستضافة هنا في فترات متقطعة ومتعاقبة.
ومن أسفٍ أننا في مصر، معشر الجغرافيين والجيولوجيين، لا نعرف الكثير عن هذا الكهف، ولا نكتب عنه بحوثا علمية، ولا نأخذ الطلاب إليه، لأسباب عديدة.
أما العلماء الأجانب فقد بدأ بعضهم في عام 1979، مع دراسة السيدة بريكيت التي جاءت هنا وجمعت 56 أداة حجرية من الكهف وأشارت إلى وقوعه في تكوين الحجر الجيري المعروف باسم تكوين طيبة، في جبل يعرف باسم جبل أم حماد، يبلغ ارتفاعه 550 مترا.
وقبل عقدين من الزمن نشطت بعثات أجنبية جماعية أكثر تنظيما وتمويلا ومعها كافة التصريحات والتسهيلات، وقامت بالتنقيب في الكهف وصنفت الأدوات الحجرية فيها إلى تلك التي تعود إلى أكثر من 100 ألف سنة ، وأخرى إلى 70 ألف سنة، وثالثة إلى 7 آلاف سنة أو أحدث عمرا.
وفي أحد المواقد الحجرية في كهف صدمين، والتي استخدمت لطهي لحوم حيوانات الصيد، عثر العلماء على بقايا عظمية لحيوانات من الثدييات الكبيرة، صادها الإنسان وأخضعا للنار للطهي وتغذى عليها.
وكانت عظام هذه الحيوانات تضم الفيل الأفريقي، والجاموس، والبقر الوحشي، علاوة على حيوانات أخرى مثل الغزلان والأرانب البرية؛ بل والتماسيح وسمك السلور.
علينا الانتباه أن هذه الحيوانات، مثل الأفيال والتماسيح والأسماك علاوة على الجاموس والغزلان كانت تمرح في صحراء مصر الشرقية قبل عشرات آلاف السنين، حين كان المناخ أكثر مطرا، وهناك بحيرات وأنهار ومروج وغابات، وكانت الصحراء الشرقية (مثلها مثل الصحراء الغربية ) موطن الإنسان القديم الذي سكن الصحراء ولم يكن في حاجة إلى النزول إلى نهر النيل.
سأختم بما قلته في بداية المقال، تعد منطقة سفاجا / القصير من أكثر المناطق المصرية الحاوية للتاريخ البيئي، وتستأهل دراسات جغرافية وجيولوجية وأثرية وسياحية دائمة التجدد، وتستحق من القائمين على الأمر في مصر تنظيم مدارس وطنية ودعم لوجستي وعلمي ورعاية لتوطين العلم في مصر.
وفي مقالات مقبلة يمكن أن نجرب الكتابة عن بعض أهم المواقع التاريخية في هذا القطاع ونعرج على ما بها من معلومات أساسية وضرورية في التاريخ والجغرافيا والآثار.
إذا كنت وصلت إلى هذا السطر ياعزيزي القارئ، فأنت من الأبطال، لقد تجاوزت قراءة 800 كلمة، جاءت في ثلاث صفحات فلوسكاب:
كل التهنئة لصبرك واهتمامك وانتباهك …برافو عليك…أنا فخور بيك !
نقلا عن صفحة الدكتور عاطف معتمد الشخصية على فيس بوك





