تتصاعد في الأوساط العلمية والمناخية العالمية مؤشرات على احتمال تطور قوي لظاهرة إل نينيو خلال الأشهر المقبلة، مع تقديرات تفيد بإمكانية تحوله إلى ما يُعرف بـ“إل نينيو الخارق”، وهو أحد أشد أنماط التذبذب المناخي تأثيرًا على كوكب الأرض.
وبحسب خبراء الأرصاد، فإن هذا السيناريو، رغم عدم تأكيده بشكل نهائي، قد يكون كافيًا لإعادة رسم خريطة الطقس العالمي مؤقتًا، عبر موجات حر غير مسبوقة، واضطرابات في أنماط الأمطار، وتفاقم الظواهر الجوية المتطرفة.
أولًا: ما هي ظاهرة إل نينيو؟
تُعد ظاهرة التذبذب الجنوبي إل نينيو نظامًا مناخيًا دوريًا معقدًا يتكون من ثلاث حالات رئيسية:
- إل نينيو: ارتفاع غير طبيعي في حرارة سطح المحيط الهادئ
- لا نينيا: انخفاض في درجات حرارة سطح المحيط
- الحالة المحايدة: استقرار نسبي في درجات الحرارة
وتحدث إل نينيو عندما تضعف الرياح التجارية التي تدفع المياه الدافئة غربًا، فتتراكم الحرارة في شرق ووسط المحيط الهادئ، ما يؤدي إلى سلسلة من التغيرات الجوية تمتد آثارها إلى معظم مناطق العالم.
ثانيًا: لماذا يثير “إل نينيو الخارق” القلق؟
يشير العلماء إلى أن “إل نينيو الخارق” هو حدث نادر نسبيًا، يتميز بارتفاع درجات حرارة سطح البحر بأكثر من 2 درجة مئوية فوق المعدلات الطبيعية، وقد تصل أحيانًا إلى أكثر من ذلك.
أبرز أسباب القلق:
- ارتفاع احتمالات تشكّله خلال الموسم الصيفي
- تزامنه المحتمل مع استمرار الاحترار العالمي
- تأثيره المضاعف على موجات الحر والجفاف
- صعوبة التنبؤ الدقيق به في مراحل الربيع الانتقالية
وتشير تقديرات مراكز الأبحاث المناخية إلى أن احتمالات تطور حدث قوي أو شديد القوة لا تزال قائمة، وإن كانت غير محسومة.
ثالثًا: كيف يرفع درجات الحرارة عالميًا؟
لا يقتصر تأثير إل نينيو على منطقة المحيط الهادئ، بل يمتد عبر الغلاف الجوي ليؤثر على دوران الرياح والتيارات النفاثة، ما يؤدي إلى:
- ارتفاع مؤقت في متوسط درجات الحرارة العالمية
- زيادة احتمالات تسجيل أعوام هي الأشد حرارة في التاريخ
- تفاقم موجات الحر في مناطق متعددة
ويرى علماء المناخ أن أي حدث قوي قد يسهم في دفع عام 2027 ليكون ضمن الأعوام المرشحة لتحطيم أرقام قياسية جديدة في درجات الحرارة.
رابعًا: خريطة التأثيرات العالمية المتوقعة
- مناطق مرشحة لزيادة الأمطار والفيضانات:
- جنوب الولايات المتحدة
- أجزاء من الشرق الأوسط
- جنوب ووسط آسيا
- مناطق من شرق أفريقيا
مناطق مرشحة للجفاف وموجات الحر:
- أستراليا
- جنوب ووسط أفريقيا
- الهند
- أجزاء من أمريكا الجنوبية (بما فيها الأمازون)
وتكمن الخطورة في أن هذه التغيرات لا تحدث بشكل متوازن، بل تأتي على شكل “اختلالات حادة” بين الجفاف الشديد والفيضانات المدمرة.
خامسًا: المخاطر الاقتصادية والبيئية
يحذر الخبراء من أن تداعيات الظاهرة لا تقتصر على المناخ فقط، بل تمتد إلى:
- الزراعة: تذبذب الإنتاج وارتفاع أسعار الغذاء
- المياه: ضغط على الموارد في المناطق الجافة
- الطاقة: زيادة الطلب بسبب موجات الحر
- الصحة العامة: ارتفاع حالات الإجهاد الحراري والأمراض المرتبطة بالمناخ
كما أن بعض المناطق التي تعاني أصلًا من الجفاف قد لا تستفيد من أي زيادة في الأمطار، خاصة إذا ترافقت مع درجات حرارة مرتفعة تزيد من معدلات التبخر.
سادسًا: ماذا يقول العلماء؟
رغم المؤشرات القوية، يؤكد خبراء المناخ أن التوقعات الحالية لا تزال خاضعة للتغيير بسبب:
- ما يُعرف بـ“حاجز التنبؤ الربيعي”
- تقلبات نماذج المحاكاة المناخية
- التداخل مع اتجاهات الاحترار العالمي
لكن في المقابل، تتفق غالبية النماذج على أن احتمال حدوث إل نينيو خلال العام الحالي مرتفع نسبيًا، مع بقاء قوة الحدث قيد التقييم.
سابعًا: دور المؤسسات الدولية
تشدد المنظمة العالمية للأرصاد الجوية على أن متابعة أنظمة التنبؤ الموسمية أصبحت عنصرًا حاسمًا في:
- تقليل الخسائر الاقتصادية
- دعم سياسات إدارة المياه والزراعة
- تعزيز أنظمة الإنذار المبكر للكوارث
- حماية الأرواح في المناطق الهشة مناخيًا
خاتمة
بين مؤشرات التشكّل المبكر وعدم اليقين الكامل، يقف العالم أمام احتمال مناخي بالغ الأهمية: عودة قوية لظاهرة إل نينيو قد تحمل معها اضطرابات واسعة في الطقس العالمي.
ورغم أن وصف “الخارق” لا يزال مرهونًا بتطورات الأشهر المقبلة، فإن الرسالة العلمية الأبرز واضحة: الاستعداد المبكر لم يعد خيارًا، بل ضرورة في عالم يزداد سخونة وتقلبًا.
