ثورة في صناعة الأسمدة.. إنتاج الأمونيا من الطاقة المتجددة بدلًا من الغاز الطبيعي
الأمونيا الخضراء تدخل مرحلة التطبيق العملي في ألمانيا.. مفاعلات مرنة لمستقبل نظيف
يُعد تحويل إنتاج الأمونيا إلى عملية منخفضة الانبعاثات أحد التحديات الرئيسية في مكافحة تغيّر المناخ.
وتُعدّ الأمونيا، وهي من أكثر المواد الكيميائية إنتاجًا على نطاق واسع في العالم، عنصرًا أساسيًا في صناعة الأسمدة، وبالتالي في إنتاج الغذاء النباتي، ومع ذلك، فإن إنتاجها مكلف ويتسبب في انبعاثات كربونية عالية.
أجرى فريق بحثي من مركز “يوليش” للأبحاث، والجامعة التقنية في ميونيخ، وشركة “لينده” للهندسة الكيميائية، دراسةً تُحاكي شكل مفاعل لإنتاج الأمونيا بطريقة فعّالة من حيث التكلفة وصديقة للبيئة، تعتمد على الطاقة المتجددة.
نُشرت نتائج الدراسة في المجلة الدولية لطاقة الهيدروجين.

الأمونيا كتهديد للمناخ
وفقًا للجمعية الملكية البريطانية، إنتاج الأمونيا عالميًا يصل حوالي 500 مليون طن متري من ثاني أكسيد الكربون سنويًا، وهو ما يُعادل الانبعاثات الكربونية السنوية في ألمانيا، وحوالي 1.8% من الانبعاثات العالمية.
السبب الرئيسي لذلك هو أن عملية تخليق الأمونيا التقليدية تتطلب الهيدروجين، الذي يُستخرج حتى الآن غالبًا من الغاز الطبيعي، وهي عملية تُطلق كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون.
تُقدّم الأمونيا الخضراء بديلاً صديقًا للبيئة؛ إذ يُستخرج الهيدروجين (H₂) من الماء عبر التحليل الكهربائي بدلاً من الغاز الطبيعي.
وتُستخدم الكهرباء المولدة من مصادر الطاقة المتجددة لتقسيم الماء إلى أكسجين (O₂) وهيدروجين، ثم يتفاعل الهيدروجين الناتج مع النيتروجين (N₂) المستخلص من الهواء لتكوين الأمونيا (NH₃) باستخدام عملية “هابر-بوش”.
تكمن المشكلة في أن الكهرباء المولّدة من طاقة الرياح والطاقة الشمسية غير متوفرة باستمرار، مما يؤدي إلى تذبذب في إمداد الهيدروجين.
ولكي يستجيب مصنع الأمونيا لتلك التقلبات، يجب أن يكون قادرًا على تعديل إنتاجه بسرعة، أي أن يكون مرنًا في الأحمال.
مع ذلك، فإن الأنظمة التقليدية صُممت للتشغيل المتواصل والمتسق. وتؤدي التغيرات السريعة في الأحمال إلى تقلبات ضغط شديدة داخل المفاعلات وخطوط الأنابيب، ما يُسبب إجهادًا ميكانيكيًا كبيرًا على المكونات.
ولمقاومة هذا الضغط، يجب أن تُبنى الأجهزة بجدران أكثر سمكًا ومواد أكثر متانة، ما يؤدي إلى ارتفاع كبير في التكاليف وتعقيد عملية البناء.

حل جديد للتقلبات القديمة
هنا تبرز أهمية الدراسة الجديدة، التي تُظهر كيف يمكن تقليل تقلبات الضغط باستخدام نظام تحكم ذكي، مما يُقلل الحاجة إلى متطلبات استقرار ميكانيكي عالية في المنشآت.
وقال البروفيسور أندرياس بيشيل، مدير معهد اقتصاد الهيدروجين المستدام التابع لمركز أبحاث “يوليش” والمؤلف المشارك في الدراسة: “لكي تساهم الأمونيا الخضراء في مكافحة تغيّر المناخ، يجب أن تكون التكاليف تنافسية”.
ووفقًا للدراسة، يمكن تحقيق ذلك من خلال استخدام نوع جديد من متحكمات الضغط في ما يُعرف بـ”حلقة الأمونيا”.

تضمن هذه الحلقة إعادة غازات التفاعل غير المُستخدمة، مثل الهيدروجين والنيتروجين، إلى داخل العملية. وتشير محاكاة الفريق إلى أن التحكم المرن في هذه الحلقة يُمكّن من إجراء تغييرات سريعة في الأحمال مع تقلبات ضغط منخفضة.
يمكن تغيير إنتاجية الطاقة بنسبة 3% خلال دقيقة واحدة، وهي سرعة غير ممكنة في محطات الأمونيا الحالية المعتمدة على الغاز الطبيعي. وهذا يعني أنه يمكن مستقبلاً استخدام مكونات أخف وزنًا، مما يُقلل من تكاليف المواد ويُبسّط البناء.

وفي دراسة سابقة، قدّم الفريق نوعًا من المفاعلات يتميز بمرونة تشغيلية عالية.
ومن المقرر تنفيذ الخطوة التالية في مركز “يوليش”، عبر محطات تجريبية تُظهر فعالية نظام التحكم الجديد وقدرته على التكيّف مع ديناميكيات الأحمال العالية في ظروف واقعية.






