من الجفاف إلى ارتفاع الأسعار.. العالم في مواجهة “سلسلة الكوارث”.. صدمات المناخ تنتقل بين الدول

الكوارث المناخية لم تعد محلية.. تداعياتها تمتد عبر القارات.. تغير المناخ يعقد المشهد

في عام 2023، أدت موجات الحرارة الشديدة إلى انتشار حرائق غابات واسعة في كندا، ما أسفر عن تسجيل مساحات قياسية محترقة وتصاعد أعمدة دخان عبرت الحدود الدولية.

ولا تقتصر آثار هذه الحرائق الضخمة على الخسائر البشرية والمادية، بل تمتد إلى سبل العيش والنظم البيئية، إذ تؤدي الجسيمات المنبعثة إلى تدهور جودة الهواء والتسبب في مشكلات صحية.

وعند ترسب هذه الجسيمات على الثلوج والأنهار الجليدية، فإنها تُسرّع من ذوبانها وتُغير توقيت تدفقات المياه، ما يؤثر في إمدادات المياه downstream.

تم نشر هذا التعليق في مجلة science العلمية، حيث شرح كل من لوري إس. هونينج من قسم الهندسة المدنية وإدارة هندسة الإنشاءات، جامعة ولاية كاليفورنيا الأمريكية، ومانويلا آي. برونر، من معهد علوم الغلاف الجوي والمناخ، المعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ بسويسرا، كيف تؤثر هذه الجسيمات في المناخ عبر امتصاص وتشتت الإشعاع الشمسي. وتُعد حرائق الغابات مثالًا واضحًا على كيفية تسبب الكوارث الطبيعية في سلسلة من التأثيرات المتداخلة محليًا وعالميًا.

ورغم تزايد أهمية هذه الترابطات في ظل الاحترار العالمي، فإنها لا تزال غير ممثلة بشكل كافٍ في نماذج المخاطر، ما يعيق دقة تقدير الأضرار ووضع استراتيجيات فعالة للوقاية.

الكوارث الطبيعية

أمثلة حول العالم

وتتجلى هذه التأثيرات المتسلسلة في عدة أمثلة حول العالم؛ إذ أدت حرائق كندا إلى تدهور جودة الهواء في مدن أمريكية كبرى، مثل شيكاغو وواشنطن ونيويورك، بل ووصل تأثير الدخان إلى أوروبا، حيث يُقدّر أنه ساهم في أكثر من 20 ألف حالة وفاة مزمنة.

كما يُظهر الجفاف الشديد سلسلة من التداعيات، تبدأ بتدهور الغطاء النباتي وتغير خصائص التربة، وصولًا إلى انخفاض معدلات التبخر والنتح، ما يقلل من الرطوبة الجوية ويزيد من حدة موجات الحر، في حلقة تغذية راجعة تعزز استمرار الجفاف.

ولا تقتصر التأثيرات على البيئة، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي. فقد أدى جفاف روسيا عام 2010 إلى تراجع إنتاج القمح وفرض حظر على الصادرات، ما ساهم في ارتفاع أسعار الغذاء عالميًا، وزيادة الفقر وعدم المساواة في دول بعيدة مثل مصر وموزمبيق.

وفي 2023، فرضت الهند قيودًا على تصدير الأرز بعد تضرر المحاصيل، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار عالميًا، خاصة في الدول منخفضة الدخل.

تُؤدي الظروف الجوية المتطرفة إلى تراجع محاصيل الهند

اضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية

كما يمكن للكوارث الطبيعية، أن تُحدث اضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية إذا طالت البنية التحتية الحيوية، مثل مصانع أشباه الموصلات أو منشآت الطاقة، ما يؤدي إلى نقص المعروض وارتفاع الأسعار، كما حدث خلال جائحة كوفيد-19.

ولا تقتصر هذه التأثيرات على التسلسل الخطي، بل تشمل أيضًا حلقات تغذية راجعة.

فحرائق الغابات، على سبيل المثال، تقلل من الغطاء النباتي وتزيد درجات الحرارة، ما يهيئ لحرائق جديدة. كما يؤدي جفاف التربة إلى إطلاق غازات دفيئة، ما يعزز تغير المناخ ويزيد من حدة الظواهر المتطرفة.

الظواهر المناخية المتطرفة

وفي فرنسا، أدت موجات الحر خلال عامي 2024 و2025 إلى ارتفاع حرارة الأنهار، ما أثر على كفاءة تبريد محطات الطاقة النووية، وبالتالي خفض إنتاج الكهرباء، في وقت يزداد فيه الطلب على الطاقة، وهو ما قد يدفع إلى زيادة الاعتماد على الوقود الأحفوري، وبالتالي تفاقم الانبعاثات.

ورغم إمكانية الحد من بعض هذه التأثيرات عبر تدخلات بشرية مثل إدارة الغابات والمياه، فإن بعض الإجراءات قد تؤدي إلى نتائج عكسية، فعلى سبيل المثال، يؤدي الإفراط في سحب المياه الجوفية خلال الجفاف إلى هبوط التربة، ما يزيد من مخاطر الفيضانات مستقبلًا.

وتظل متابعة هذه التأثيرات المتشابكة تحديًا كبيرًا، نظرًا لتعقيدها وتداخلها عبر الزمن والمكان.

كما أن التركيز غالبًا ما ينصب على الخسائر الاقتصادية المباشرة، في حين يتم إغفال آثار أخرى مثل عدم المساواة والصحة النفسية والهجرة.

لذلك، يدعو الباحثون إلى تطوير نظام عالمي لرصد هذه التأثيرات المتسلسلة، بما يساعد على تحسين نماذج المخاطر وتعزيز القدرة على التكيف مع الكوارث المستقبلية.

Exit mobile version