علماء المناخ في مواجهة كبار الملوثين.. 3 أدوات لمحاسبة شركات الوقود الأحفوري

هل يدفع كبار ملوثي المناخ الثمن؟ العلماء يطورون أدوات جديدة للمساءلة القانونية

تتجلى آثار تغير المناخ بصورة متزايدة مع اشتداد موجات الحر القياسية واتساع نطاق حرائق الغابات وتفاقم أزمات المياه، بما يجعل الحاجة إلى مساءلة الجهات المتسببة في تفاقم هذه الأضرار أكثر إلحاحًا.

وفي غرب الولايات المتحدة، برزت أزمة المياه بوصفها أحد أكثر الأمثلة وضوحًا على التداعيات المتزايدة لتغير المناخ الناجم عن حرق الوقود الأحفوري، بينما يكتسب العلماء دورًا متناميًا في تقديم الأدلة التي يمكن أن تساعد المجتمعات والجهات القانونية على تحديد المسؤوليات المرتبطة بهذه الأضرار.

وتشير أبحاث حديثة إلى أن انبعاثات كبار منتجي الوقود الأحفوري ومصنعي الأسمنت يمكن ربطها بجزء كبير من التغيرات التي شهدتها أنظمة الثلوج والمياه والتدفقات النهرية والطلب على مياه الري في غرب الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة.

أزمة المياه في غرب الولايات المتحدة تتفاقم

تعاني مناطق واسعة من غرب الولايات المتحدة نقصًا مزمنًا في المياه، ويرتبط جزء من المشكلة بعدم توافق توقيت هطول المياه مع فترة الحاجة إليها.

فجزء كبير من مياه المنطقة يتساقط على هيئة ثلوج خلال الشتاء، ثم يتراكم في الغطاء الثلجي قبل أن يذوب خلال الأشهر الأكثر دفئًا، عندما يرتفع الطلب على المياه، ولا سيما لأغراض الزراعة.

وعلى مدار عقود، ساعدت شبكات القنوات المائية والقنوات الناقلة والخزانات والسدود على تخفيف هذا الاختلال، ما سمح بالتوسع الزراعي والصناعي والنمو السكاني، رغم محدودية الأنهار واستغلال جزء كبير من مواردها المائية.

لكن تغير المناخ يضيف ضغوطًا جديدة إلى نظام يعاني أصلًا هشاشة متزايدة، ما يهدد سبل معيشة السكان والنظم البيئية والاقتصاد في المنطقة.

وشهد عام 2026 عددًا من المؤشرات اللافتة على حجم هذه الضغوط، ففي مارس الماضي، تسببت موجة حر شديدة في تسريع ذوبان كميات كبيرة من الغطاء الثلجي، ما أدى إلى فقدان جزء من المياه التي كان من المفترض أن تتوافر خلال موسم النمو الزراعي.

ومن بين خمسة أحواض مائية رئيسية في المنطقة، سجلت ثلاثة منها أدنى مستوى للغطاء الثلجي في الأول من أبريل على الإطلاق، وهو التوقيت الذي يصل فيه تراكم الثلوج عادة إلى مستويات مهمة قبل بدء موسم الذوبان.

«آكلات الثلوج» تزداد قوة

شركات الوقود الأحفوري

وصفت دراسة حديثة موجات الحرارة التي تؤدي إلى تدمير الغطاء الثلجي بأنها «آكلات الثلوج» (Snow-eaters)، بسبب قدرتها على تسريع فقدان الثلوج قبل موعدها الطبيعي.

وأظهرت الدراسة أن هذه الظواهر أصبحت أكثر تواترًا وشدة منذ منتصف القرن التاسع عشر.

وتتوافق هذه النتائج مع تقييمات الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، التي خلصت بدرجة عالية جدًا من اليقين إلى أن موجات الحر الشديدة أصبحت أكثر تكرارًا وشدة بسبب تغير المناخ.

ويعني ذلك أن موجات الحرارة التي تضغط على موارد المياه في المناطق الجبلية قد تستمر في الظهور خلال العقود المقبلة، ما يفرض تحديات متزايدة أمام الزراعة وإمدادات المياه والأنظمة البيئية.

بحيرة ميد تسجل مستوى قياسيًا منخفضًا

ولا تتوقف مؤشرات الضغط على الموارد المائية عند الغطاء الثلجي.

فقد سجلت بحيرة ميد (Lake Mead)، أكبر خزانات المياه في المنطقة، مستوى جديدًا منخفضًا، متجاوزة الانخفاض القياسي السابق الذي سجلته في عام 2022.

وتوفر البحيرة المياه لأكثر من 25 مليون شخص في أنحاء غرب الولايات المتحدة، ما يجعل أي انخفاض إضافي في مستوياتها قضية تتجاوز حدود البيئة لتصل إلى الأمن المائي والاقتصاد والزراعة والاستهلاك الحضري.

ورغم أن محدودية المياه كانت دائمًا جزءًا من واقع غرب الولايات المتحدة، فإن ارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط هطول الأمطار وتسارع ذوبان الثلوج يزيد الضغط على منظومة مائية تعاني أصلًا الإفراط في تخصيص مواردها.

نصف آثار المناخ تقريبًا مرتبطة بكبار المنتجين

وفي بحث علمي حديث بعنوان «Wringing the West Dry»، حاول الباحثون تحديد مدى ارتباط أضرار تغير المناخ في غرب الولايات المتحدة بانبعاثات كبار منتجي الوقود الأحفوري ومصنعي الأسمنت.

وخلصت الدراسة إلى أن نحو نصف التأثيرات المرتبطة بتغير المناخ على الغطاء الثلجي وتدفقات الأنهار والطلب على مياه الري في غرب الولايات المتحدة خلال الفترة من 2014 إلى 2024 يمكن إسنادها إلى انبعاثات 122 من أكبر منتجي الوقود الأحفوري ومصنعي الأسمنت.

وتندرج هذه النتائج ضمن مجال علمي يعرف باسم «علم إسناد المناخ» (Climate Attribution Science)، الذي يهدف إلى تحديد مقدار مساهمة تغير المناخ في ظاهرة أو حدث معين، ثم تطوير أدوات أكثر دقة لتحديد مساهمة مصادر أو قطاعات أو جهات محددة في هذه التغيرات.

وتضيف هذه الأبحاث إلى مجموعة متزايدة من الدراسات التي تربط انبعاثات كبار منتجي الوقود الأحفوري، ومن بينهم شركات نفط وغاز كبرى، بآثار مختلفة لتغير المناخ، تشمل ارتفاع درجات الحرارة العالمية، وتحمض المحيطات، وارتفاع مستوى سطح البحر، وزيادة مساحات الغابات المحترقة، وموجات الحر الشديدة.

شركات الوقود الأحفوري

مناخ أكثر حرارة.. وأدلة أكثر قابلية للاستخدام أمام القضاء

أصبحت العلوم المناخية تؤدي دورًا متزايدًا في الدعاوى القضائية والتشريعات الرامية إلى تحميل كبار الملوثين مسؤولية الأضرار الناجمة عن تغير المناخ.

ويساعد علم الإسناد المناخي على الإجابة عن سؤال جوهري: إلى أي مدى ساهم تغير المناخ في حدوث ظاهرة أو تفاقم آثارها؟ لكن الأبحاث المستخدمة في جهود المساءلة لا تقتصر على علوم المناخ وحدها.

فإلى جانب البيانات المناخية، يمكن أن تسهم أبحاث الصحة العامة والاقتصاد والعلوم الاجتماعية والمعارف البيئية التقليدية، فضلًا عن الدراسات التاريخية والأرشيفية، في بناء صورة متكاملة عن الأضرار والمسؤوليات.

وتزداد أهمية هذه الأدلة عندما تتعلق الدعاوى القضائية بادعاءات بأن شركات الوقود الأحفوري كانت على دراية بالمخاطر المناخية المرتبطة بمنتجاتها، بينما استمرت في الترويج لاستخدام الوقود الأحفوري أو التشكيك في حجم المخاطر.

3 مسارات لدور العلماء في محاسبة كبار الملوثين

يرى الباحثون أن العلماء يستطيعون دعم جهود المساءلة المناخية من خلال ثلاثة مسارات رئيسية.

أولًا: تطوير أبحاث ذات قيمة قانونية

يمثل البحث العلمي القابل للاستخدام في الإجراءات القضائية والتشريعية أحد أهم المجالات التي يستطيع العلماء الإسهام فيها.

فكلما أصبحت القدرة على تحديد العلاقة بين الانبعاثات والآثار المناخية أكثر دقة، ازدادت إمكانية استخدام النتائج العلمية في تقييم الأضرار وتحديد المسؤوليات.

ولا يتعلق الأمر فقط بتحديد ارتفاع درجات الحرارة، بل يمكن أن يمتد إلى دراسة تأثير الانبعاثات في موجات الحر والجفاف وحرائق الغابات وارتفاع مستوى سطح البحر وتحمض المحيطات وغيرها من الظواهر.

كما تحتاج الدعاوى المناخية إلى خبرات من تخصصات مختلفة، بما في ذلك الطب والصحة العامة والاقتصاد والعلوم الاجتماعية وغيرها.

شركات الوقود الأحفوري

ثانيًا: الدفاع عن العلم والقرارات القائمة على الأدلة

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المؤسسات العلمية والباحثون في الولايات المتحدة ضغوطًا سياسية متزايدة.

ويرى منتقدو السياسات المناخية لإدارة الرئيس دونالد ترامب أن تقليص دور العلماء أو التراجع عن بعض اللوائح البيئية أو إضعاف البنية التحتية المستخدمة لرصد الظواهر المناخية والتنبؤ بالأحداث المتطرفة يمكن أن يحد من قدرة المجتمع على الاستجابة للمخاطر.

وفي المقابل، يؤكد المدافعون عن استقلالية البحث العلمي ضرورة الحفاظ على البيانات والمؤسسات العلمية التي توفر المعلومات اللازمة لصانعي القرار والمحاكم والمجتمعات.

وتشمل هذه القضية أيضًا حماية عمليات جمع البيانات المتعلقة بالطقس والمناخ، التي تمثل أساسًا مهمًا لفهم التغيرات الحالية ومقارنتها بالسجلات التاريخية.

العلم في مواجهة التضليل المناخي

يشير الباحثون كذلك إلى أن العلماء يواجهون محاولات للتقليل من أهمية بعض النتائج العلمية أو التشكيك فيها، خصوصًا عندما تكون لها آثار قانونية أو اقتصادية على الشركات الكبرى.

وتتضمن هذه المواجهة معركة أوسع ضد المعلومات المضللة التي يمكن أن تؤدي إلى التشكيك في الأدلة العلمية أو إرباك الجمهور بشأن حقيقة تغير المناخ وحجمه.

ويؤكد الباحثون أن استمرار النقاش العلمي أمر طبيعي، لكن التشكيك في نتائج علمية مدعومة بمجموعة واسعة من الأدلة يختلف عن النقاش العلمي القائم على البيانات والمنهجية.

ومن هنا تأتي أهمية التواصل العلمي الواضح والشفاف، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالمعلومات التي يمكن أن تؤثر في السياسات العامة أو القرارات القضائية.

ثالثًا: رفض منح شركات النفط حصانة من المسؤولية

لا تتعلق المعركة بالبحث العلمي وحده، إذ تواجه الجهود الرامية إلى محاسبة شركات الوقود الأحفوري أيضًا تحركات تشريعية في الولايات المتحدة قد تمنح هذه الشركات حماية من بعض الدعاوى المتعلقة بتغير المناخ.

وتقول الجهات المدافعة عن المساءلة المناخية إن بعض هذه المبادرات قد تحد من قدرة المجتمعات المتضررة على اللجوء إلى القضاء للمطالبة بالتعويض أو تحميل الشركات مسؤولية الأضرار.

وقد أصدرت ولايات أميركية، من بينها يوتا وتينيسي وأوكلاهوما، تشريعات تتضمن أشكالًا من الحماية القانونية لصناعة الوقود الأحفوري من بعض أنواع المسؤولية.

كما طُرحت مقترحات على المستوى الفيدرالي في الكونغرس الأميركي تهدف إلى حماية شركات النفط والغاز من بعض الدعاوى المتعلقة بالأضرار المناخية.

ويرى منتقدو هذه التشريعات أن منع المحاكم من النظر في الأدلة العلمية المتعلقة بالمسؤولية المناخية يمكن أن يضعف قدرة المجتمعات على الوصول إلى العدالة.

العلماء بين المختبر وقاعة المحكمة

أصبحت العلاقة بين العلم والقانون أكثر أهمية مع اتساع نطاق الأضرار المناخية.

فالمجتمعات التي تواجه الجفاف ونقص المياه وحرائق الغابات وموجات الحر الشديدة تحتاج إلى معرفة حجم الخطر، كما تحتاج الجهات القضائية إلى أدلة تساعدها على تقييم العلاقة بين الانبعاثات والأضرار الواقعة على الأرض.

وهنا يمكن للعلماء أن يلعبوا دورًا يتجاوز نشر الأبحاث الأكاديمية، من خلال تطوير دراسات قابلة للاستخدام في التحقيقات والدعاوى القضائية، وتقديم الشهادات العلمية، وشرح النتائج المعقدة بطريقة يمكن للمحاكم والجمهور فهمها.

ولا يعني ذلك أن العلماء يحلون محل القضاء أو صانعي السياسات، بل إن دورهم يتمثل في توفير الأدلة والبيانات التي تسمح باتخاذ قرارات أكثر استنادًا إلى الحقائق.

شركات الوقود الأحفوري

أزمة المياه.. نموذج لما ينتظر العالم

تقدم أزمة المياه في غرب الولايات المتحدة مثالًا واضحًا على الطريقة التي يمكن أن تتقاطع بها آثار تغير المناخ مع الاقتصاد والصحة العامة والزراعة والحياة اليومية.

فارتفاع درجات الحرارة لا يعني فقط أيامًا صيفية أكثر حرارة، بل يمكن أن يعيد تشكيل دورة المياه بأكملها، بدءًا من كمية الثلوج المتراكمة في الشتاء، مرورًا بتوقيت ذوبانها، ووصولًا إلى كمية المياه المتاحة للزراعة والمدن والأنظمة البيئية.

وكلما ارتفعت درجات الحرارة، أصبح الحفاظ على التوازن المائي أكثر صعوبة، خصوصًا في المناطق التي تعتمد بصورة كبيرة على ذوبان الثلوج لتغذية الأنهار والخزانات.

وفي ظل استمرار انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، تتزايد الحاجة إلى تطوير سياسات للتكيف مع تغير المناخ بالتوازي مع خفض الانبعاثات.

المساءلة المناخية تبدأ من الأدلة

لا يمكن معالجة أزمة المناخ بالاعتماد على العلم وحده، كما لا يمكن للمحاكم أن تحل محل السياسات المناخية.

لكن الأدلة العلمية تظل عنصرًا أساسيًا لفهم حجم الأضرار وتحديد أسبابها وتقييم المخاطر المستقبلية.

ومع تزايد موجات الحر والجفاف وحرائق الغابات والضغوط على الموارد المائية، يصبح تطوير علم أكثر دقة لإسناد الأضرار إلى مصادر الانبعاثات أحد المسارات المهمة في معركة المساءلة المناخية.

وفي النهاية، فإن السؤال لم يعد يقتصر على مدى تغير المناخ، بل أصبح يمتد إلى سؤال أكثر تعقيدًا: من ساهم في إحداث هذا التغير، ومن يتحمل مسؤولية الأضرار التي يتركها على المجتمعات والاقتصادات والبيئة؟

وهنا تبرز أهمية العلماء؛ ليس فقط باعتبارهم مراقبين للتغير المناخي، وإنما بوصفهم منتجين للأدلة التي يمكن أن تساعد المجتمعات وصانعي السياسات والقضاء على الوصول إلى قرارات أكثر عدلًا واستنادًا إلى العلم.

Exit mobile version