يواصل العلماء دراسة حالة كوكب الأرض ومستويات انبعاثات الغازات الدفيئة وتأثير السياسات المناخية المتبعة عالميًا، بهدف بناء تصورات أكثر دقة حول شكل المناخ في المستقبل وفقًا للمسارات التي قد تسلكها البشرية.
وفي تطور لافت، أكد علماء المناخ مؤخرًا أن ما كان يُعرف سابقًا بـ«أسوأ سيناريو محتمل» للتغير المناخي، والمعروف باسم RCP8.5، لم يعد يُعتبر سيناريو واقعيًا أو مرجحًا، ورغم أن هذا التطور يعكس تقدمًا في جهود العمل المناخي، فإنه لا يعني انتهاء الخطر أو التشكيك في دقة العلوم المناخية.
وفيما يلي خمس حقائق رئيسية تساعد على فهم أحدث التغيرات في توقعات المناخ العالمية:
أولًا: العلماء حدثوا توقعاتهم لمستقبل المناخ
نشرت مجموعة من خبراء علوم المناخ مؤخرًا تحديثًا جديدًا لسيناريوهات التغير المناخي المستقبلية، يستند إلى دراسة علمية محكمة ومفتوحة المصدر صدرت عام 2025.
ويركز التحديث على سبعة سيناريوهات رئيسية، بعد استبعاد كل من السيناريوهات الأعلى والأدنى من حيث الانبعاثات المتوقعة.
ويحمل هذا التحديث دلالات إيجابية وسلبية في الوقت نفسه؛ فاستبعاد السيناريو الأسوأ يعكس نجاح بعض جهود الحد من الانبعاثات، بينما يعكس استبعاد السيناريو الأكثر تفاؤلًا أن وتيرة العمل المناخي لا تزال أقل من المطلوب.
وستُشكل هذه السيناريوهات الأساس العلمي للتقارير المستقبلية، بما في ذلك التقرير التقييمي السابع للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، الذي يمثل المرجع الأهم لصناع السياسات المناخية حول العالم.
ثانيًا: أسوأ سيناريو للانبعاثات لم يعد مرجحًا
الخبر الإيجابي الأبرز يتمثل في استبعاد سيناريو RCP8.5 أو SSP5-8.5، من قائمة السيناريوهات المحتملة.
وكان هذا السيناريو يفترض استمرار الاعتماد المكثف على الوقود الأحفوري، ما كان سيؤدي إلى ارتفاع درجات حرارة الأرض بين 3.5 و5.5 درجات مئوية بحلول عام 2100.
ويشير استبعاده إلى أن اتفاق باريس للمناخ والسياسات المناخية العالمية بدأت تؤتي ثمارها من خلال إبطاء نمو الانبعاثات العالمية.
ومع ذلك، يؤكد العلماء أن السيناريو الأعلى ضمن المسارات الحالية لا يزال قد يؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة بنحو 3.5 درجات مئوية بحلول نهاية القرن، مع استمرار الاحترار بعد ذلك، ما قد يدفع الزيادة إلى حدود 4 درجات مئوية.
ثالثًا: تحقيق هدف 1.5 درجة مئوية أصبح أكثر صعوبة
رغم استبعاد السيناريو الأسوأ، فإن الحفاظ على الاحترار العالمي عند مستوى 1.5 درجة مئوية أو أقل أصبح أكثر تحديًا.
ووفقًا للتقديرات الجديدة، فإن أفضل السيناريوهات المتاحة حاليًا قد يقود إلى وصول متوسط الاحترار العالمي إلى نحو 1.7 درجة مئوية، ما يعني تجاوزًا مؤقتًا للهدف الأساسي لاتفاق باريس.
ويحذر العلماء من أن كل جزء إضافي من الدرجة المئوية يفاقم التأثيرات السلبية على الصحة العامة والأمن الغذائي والاقتصادات العالمية.
ورغم ذلك، ما زالت هناك فرصة للعودة إلى مسار أكثر أمانًا إذا تم تسريع خفض الانبعاثات والحد من مدة تجاوز عتبة 1.5 درجة مئوية.
رابعًا: النماذج المناخية السابقة لا تزال دقيقة وموثوقة
يشدد العلماء على أن تحديث السيناريوهات لا يعني أن النماذج المناخية السابقة كانت خاطئة.
ففي الواقع، أثبتت النماذج المناخية خلال العقود الماضية دقة كبيرة في توقع اتجاهات الاحترار العالمي، إذ جاءت درجات الحرارة المسجلة فعليًا ضمن النطاقات التي توقعتها النماذج العلمية.
وفي المقابل، تشير الدراسات الحديثة إلى أن وتيرة الاحترار العالمي تسارعت خلال العقود الأخيرة، كما أصبحت المخاطر المناخية الكبرى تظهر عند مستويات احترار أقل مما كان يُعتقد سابقًا.
ويعزز ذلك الحاجة إلى اتخاذ إجراءات أكثر قوة في مجالي التخفيف من الانبعاثات والتكيف مع الآثار المناخية المتزايدة.
خامسًا: تكلفة التقاعس عن العمل المناخي باهظة للغاية
تشير البيانات إلى أن الخسائر الاقتصادية الناتجة عن التغير المناخي أصبحت ضخمة بالفعل.
فقد بلغت الخسائر المرتبطة بالكوارث المناخية في الاتحاد الأوروبي نحو 58 مليار يورو عام 2022، و45 مليار يورو عام 2023، و40 مليار يورو خلال عام 2024.
كما تتوقع المفوضية الأوروبية أن يكون الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي أقل بنحو 7% بحلول نهاية القرن في حال استمرار مسار الاحترار المرتفع، مقارنة بسيناريو الحد من الاحترار عند 1.5 درجة مئوية.
وتشمل المخاطر المتزايدة الفيضانات الساحلية، وحرائق الغابات، والجفاف، وندرة المياه، وارتفاع مستوى سطح البحر، وزيادة موجات الحر، فضلًا عن التأثيرات السلبية على الصحة العامة والإنتاجية والبنية التحتية.
التقدم المناخي لا يعني انتهاء الخطر
يرى العلماء أن استبعاد سيناريو RCP8.5 يمثل مؤشرًا إيجابيًا على نجاح بعض الجهود العالمية لمكافحة تغير المناخ، لكنه لا يبرر التراخي أو التباطؤ.
فحتى السيناريوهات التي لا تزال مرجحة تحمل مخاطر كبيرة على الاقتصاد والبيئة والمجتمعات البشرية، ما يجعل تسريع التحول نحو الطاقة النظيفة وخفض الانبعاثات ضرورة ملحة خلال العقود المقبلة.
كما أن إزالة الكربون من الاقتصاد لا تسهم فقط في الحد من الاحترار العالمي، بل توفر مزايا إضافية تشمل تعزيز أمن الطاقة، وتحفيز الصناعات النظيفة، وتقليل الخسائر الناتجة عن الكوارث المناخية، وتحسين جودة الهواء والصحة العامة.
