من الحليب إلى الوقاية.. كيف يقلل الكالسيوم خطر الإصابة بسرطان القولون؟
زيادة 300 ملج من الكالسيوم يوميًا تؤدي لانخفاض خطر الإصابة بسرطان القولون 17%
على مدار أكثر من 16 عامًا، تابع باحثون صحة أكثر من 540 ألف امرأة في المملكة المتحدة، بحثًا عن الروابط الخفية بين النظام الغذائي وخطر الإصابة بسرطان القولون والمستقيم.
ومع تراكم البيانات، برزت إشارة قوية لا لبس فيها: تناول كميات أعلى من الكالسيوم ارتبط بانخفاض ملحوظ في خطر الإصابة بالمرض.
تكمن أهمية هذه النتيجة في أنها تشير إلى عامل غذائي محدد وقابل للتعديل، بدلًا من نصائح عامة مبهمة حول «الأكل الصحي».
دراسة مصممة على نطاق واسع
قاد التحليل فريق بحثي من جامعة أكسفورد برئاسة الدكتورة كيرين بابير، ضمن دراسة بريطانية طويلة الأمد اعتمدت على ربط، استبيانات غذائية مفصلة،بسجلات السرطان الوطنية.
الدراسة منشورة في دورية Nature Communications العلمية.
وخلال 16.6 سنة من المتابعة، سُجلت 12,251 حالة إصابة بسرطان القولون والمستقيم، مع تقييم 97 عاملًا غذائيًا ونمط حياة لمعرفة أيها الأكثر تأثيرًا.
ورغم أن الدراسات القائمة على الحياة الواقعية لا تخلو من عوامل خفية يصعب ضبطها، فإن الحجم الضخم للعينة يقلل من احتمالات المصادفة ويمنح النتائج وزنًا إحصائيًا قويًا.

سرطان القولون: مرض صامت ومتزايد عالميًا
يُعد سرطان القولون والمستقيم من أكثر أنواع السرطان شيوعًا، وغالبًا ما يتطور بصمت دون أعراض واضحة حتى مراحل متقدمة.
وعالميًا، جاء المرض في المرتبة الثالثة من حيث عدد الإصابات الجديدة، مع أكثر من 1.9 مليون حالة في عام 2022.
وتشير دراسات الهجرة إلى أن خطر الإصابة يمكن أن يتغير خلال عقد واحد فقط عند الانتقال إلى أنماط غذائية مختلفة، ما يعزز فكرة أن العوامل البيئية والغذائية تلعب دورًا محوريًا.
الكالسيوم يخرج من بين عشرات العوامل
من بين جميع العناصر الغذائية التي جرى تحليلها، ظهر الكالسيوم كأقوى عامل وقائي.
وأظهرت النتائج أن: كل زيادة يومية بمقدار 300 ملج من الكالسيوم (تعادل تقريبًا كوبًا من الحليب)، ارتبطت بانخفاض خطر الإصابة بسرطان القولون بنسبة 17%.
ويُعتقد أن الكالسيوم داخل الأمعاء يرتبط بالأحماض الصفراوية، وهي مواد هضمية قد تهيّج جدار القولون، ثم يساعد على إخراجها مع الفضلات، ما يقلل من تأثيرها الضار على الخلايا.
هل الحماية من الألبان أم من الكالسيوم نفسه؟

في التحليل الأولي، بدا أن منتجات الألبان مثل الحليب والزبادي ترتبط بانخفاض خطر الإصابة. لكن عند ضبط النتائج إحصائيًا وفق كمية الكالسيوم، تلاشى معظم هذا الارتباط.
وكتب الباحثون: «نخلص إلى أن منتجات الألبان تساهم في تقليل خطر سرطان القولون والمستقيم، وأن هذا التأثير مدفوع إلى حد كبير، إن لم يكن كليًا، بالكالسيوم».
وهذا يشير إلى أن العنصر الغذائي نفسه، وليس الغذاء كمجموعة، هو العامل الأساسي، رغم أن مكونات أخرى في الألبان قد يكون لها دور ثانوي.
الكحول: عامل خطر واضح ومؤكد
في المقابل، أكد التحليل مرة أخرى أن الكحول يزيد من خطر الإصابة.
فقد ارتبط استهلاك 20 غرامًا من الكحول يوميًا (نحو مشروب كحولي واحد) بزيادة خطر الإصابة بنسبة 15%، حتى بعد ضبط العوامل الأخرى.
ويُفسر ذلك بتحول الكحول داخل الجسم إلى مادة الأسيتالديهيد، وهي مركب تفاعلي يمكن أن يُلحق ضررًا بالمادة الوراثية ويحفز نشوء الأورام.
كما أشارت البيانات إلى أن التأثير الضار للكحول كان أقوى في حالات سرطان المستقيم مقارنة ببقية القولون.
اللحوم الحمراء والمصنّعة… خطر لا يختفي

حتى بعد التعديلات الإحصائية، ظل استهلاك اللحوم الحمراء والمصنّعة مرتبطًا بزيادة خطر الإصابة.
كل زيادة بمقدار 30 غرامًا يوميًا من هذه اللحوم
ارتبطت بزيادة الخطر بنسبة 8%
وتصنف الوكالة الدولية لأبحاث السرطان اللحوم المصنّعة ضمن أعلى فئات الخطورة على البشر، نظرًا لتكوّن مركبات كيميائية مسرطنة أثناء المعالجة أو الطهي بدرجات حرارة مرتفعة.
الألياف الغذائية: فوائد محتملة بإشارات أضعف
أظهرت الحبوب الكاملة والفواكه وحبوب الإفطار ارتباطًا أضعف بانخفاض الخطر، لكنه تراجع بعد إدخال مزيد من العوامل في التحليل.
وتساعد الألياف على:
– تسريع حركة الأمعاء
– تخفيف تركيز المواد المهيجة
– إنتاج أحماض دهنية قصيرة السلسلة مثل «البيوتيرات» التي تقلل الالتهاب
لكن من الصعب فصل تأثير الألياف عن نمط الحياة الصحي عمومًا، ما يجعل الإشارة أقل وضوحًا إحصائيًا.
اختبار السببية عبر الجينات
للتفرقة بين الارتباط والسببية، استخدم الباحثون أسلوب العشوائية المندلية، الذي يعتمد على المتغيرات الجينية.
واستُخدم متغير جيني مرتبط بقدرة البالغين على هضم اللاكتوز للتنبؤ باستهلاك الحليب مدى الحياة.
وأظهرت النتائج أن الاستهلاك الجيني المتوقع للحليب، ارتبط بانخفاض خطر سرطان القولون بنسبة نحو 40% لكل 200 جرام يوميًا، لكن هذا التحليل ينطبق أساسًا على ذوي الأصول الأوروبية، ما يحد من تعميمه عالميًا.
ما الذي لم تجب عنه الدراسة؟
رغم قوتها، لم تتمكن الدراسة من: تقييم دور مكملات الكالسيوم بدقة، تمثيل الفئات العمرية الأصغر، تعميم النتائج على مجتمعات غير أوروبية، كما أن الاعتماد على الاستبيانات الغذائية قد يحمل قدرًا من عدم الدقة، رغم استخدام أدوات إضافية لتقليل هذا الأثر.
ما الذي تعنيه النتائج للوقاية؟
تشير النتائج بوضوح إلى أن زيادة مدروسة في الكالسيوم الغذائي، مع تقليل استهلاك الكحول واللحوم المصنّعة، قد تشكل عناصر فعالة في الوقاية من سرطان القولون.
ويؤكد الباحثون، أن الخطوة التالية هي تحديد الجرعات الآمنة والمثلى للكالسيوم، بما يحقق الفائدة دون التسبب في أضرار جانبية.





