سدود الطاقة الكهرومائية تواجه مصيرًا غامضًا مع اختفاء الجليد وارتفاع الرواسب
بحيرات السدود قد تحل محل الأنهار الجليدية بحلول نهاية القرن
حذّر باحثون من المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في لوزان من أن تغيّر المناخ يهدد مستقبل السدود الكهرومائية في البلاد، مع اختفاء الأنهار الجليدية وتزايد معدلات ترسيب الطمي في البحيرات الاصطناعية.
وأظهرت دراسة حديثة أعدّها المهندس “جيوفاني دي تشيزاري”، من مختبر الإنشاءات الهيدروليكية بالمعهد، أن ظواهر مثل ذوبان الجليد، وندرة تساقط الثلوج، وازدياد الأمطار الشتوية، وتكرار موجات الجفاف، ستترك آثارًا عميقة على الخزانات المائية التي تغذي محطات توليد الكهرباء.
ويقول دي تشيزاري إن المياه لم تعد تُقاس فقط بقيمتها في إنتاج الطاقة، بل يجب النظر إليها كعنصر اقتصادي يُستخدم لأغراض متعددة مثل الزراعة والتبريد وحماية التنوع الحيوي.
واستندت الدراسة إلى بيانات حول تغير المناخ وتطور الأنهار الجليدية وترسيب الطمي، لتوقّع سيناريوهات مستقبلية تواجهها السدود السويسرية، التي يبلغ عددها نحو 220 سدًا.
ويركز الباحث على سد “حريس” في كانتون فاليه، الذي يقع على ارتفاع 2387 مترًا فوق سطح البحر، ويولّد نحو 3% من إجمالي الطاقة الكهرومائية في سويسرا. وتشير الدراسة إلى أن نهر “غريس” الجليدي سيختفي بالكامل تقريبًا بحلول عام 2070، ما سيؤدي إلى انخفاض تدفق المياه إلى الخزان بنسبة 30% بحلول عام 2100.
ويقول دي تشيزاري إن «السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الأنهار الجليدية ستختفي، بل كيف سنتعامل مع غيابها».
فالكثير من السدود تعاني أصلًا من تراكم الرواسب في قاع الخزانات، ما يقلل من قدرتها التخزينية ويعرّضها لمخاطر هيكلية. وتلزم القوانين السويسرية مشغلي السدود بإعادة تأهيلها قبل تجديد عقود التشغيل، وهو ما يتطلب عمليات مكلفة لإزالة الطمي وتحسين كفاءة التشغيل.
لكن الخطر الأكبر – كما يشير الباحث – هو أن ظاهرة الاحترار العالمي أضافت «مجهولًا جديدًا» إلى المعادلة، إذ لم يعد واضحًا كيف يمكن تعويض الدور الذي كانت تلعبه الأنهار الجليدية في تغذية السدود وتنظيم تدفق المياه عبر العام.
ويضيف دي تشيزاري أن بعض التغيرات بدأت بالفعل، فبدلًا من “حليب الجليد” الناعم الذي كانت تطلقه الأنهار الجليدية، أصبحت ترسب مواد “المورين” الخشنة التي تتجمع لتشكل دلتا طميية، قد تؤدي الأمطار الغزيرة مستقبلًا إلى جرفها نحو الخزانات، مما يهدد عمل السدود.
كما أن ارتفاع خط الغطاء النباتي في الجبال قد يؤثر سلبًا على استقرار التربة، إذ يمكن أن يفاقم ذوبان الجليد الدائم (البرمافروست) من خطر الانهيارات الأرضية.
ويطالب الباحث السويسري السلطات والمشغلين بالتحرك السريع، مؤكدًا أن التمويل والتقنيات اللازمة متاحة، لكن وتيرة التنفيذ بطيئة.
ويشدد على ضرورة وضع استراتيجية وطنية للمياه تحدد كيفية توزيع الموارد المائية بين توليد الكهرباء، وصناعة الثلج الصناعي، وحماية التنوع البيولوجي، والزراعة الجبلية، والاستخدامات الصناعية والمنزلية.
وكان عضو في البرلمان السويسري قد تقدم العام الماضي بمقترح لوضع مثل هذه الاستراتيجية، إلا أن المجلس الفيدرالي رفض المبادرة بحجة أن التمويلات الحالية كافية، وهو ما يراه الباحث “نظرة قصيرة الأمد” قد تُكلف البلاد مستقبلها المائي والطاقي.





