كانت النية أن اكتب مقال طويل ممل للأغلبية عن نهر النيل، لكن قولت في عقل بالي اختصر، عن الحوار الدائر حاليا حول تصريح أحد وزراء إثيوبيا أنهم سيستخدمون ماء نهر “اباي” “النيل الأزرق” في ري مساحات كبيرة تصل لملايين الهكتارات، لزراعة قصب السكر وحرمان مصر نهائيا من ماء النيل.
من يعرفني عن قرب يعرف أنني أعمل من زمن طويل في مجال مد خطوط الأنابيب لنقل السوائل، ومحطات الرفع وكل ما يتعلق بها من طاقة وخدمات، والبعض يعرف أنني كنت ادير اكبر شركات العالم في هذا المجال وقد قمت بتنفيذ العديد من المشاريع العملاقة حول العالم.
أنا علي علم تام ودراية كاملة بما يقال ويذاع حول نهر النيل، وانا الحقيقة في الغالب لا أتدخل في الحوار ولا اعلق علي الموضوع من فترة، لأن معظم الناس أصبح لها قناة تفكير ثابته ولن تتغير، ولأنني كتبت ما يكفي من مقالات حول الموضوع تعبر عن رأيي وما اعرف عن الوضع هناك في إثيوبيا.
مرفق صورة لإقليم بني شنقول الذي يدور حوله الكلام، وانا زرت الإقليم بنفسى اكثر من مرة واعرف شكله وطبيعة سكانه جيدا، والإقليم مرتفع ومعظم مساحته تلال وجبال مرتفعة والمساحات المنبسطة فيه تكاد لا تذكر، فكرة رفع الماء من نهر النيل الأزرق مرة أخري بعد أن تتجمع في بحيرة سد النهضة لري مساحات كبيرة حول البحيرة، قد تبدو معقولة لأول وهلة، ولها جاذبية عند البعض لإظهار فشل مصر في إدارة ملف السد، لكن الواقع غير ذلك تماما.

مرفق صورة أخري توضح حجم الروافد والأنهار في دولة إثيوبيا وهي دولة تغرق بالامطار حرفيا كل عام، وسيكون هناك مرة أخري مقال آخر حول الموضوع ليس وقته، وللعلم فقط تصرفات بحيرة “تانا” منبع نهر النيل تقدر بحوالي ٥.٤ مليار متر مكعب فقط من المياه والباقي تدفقات روافد النهر كما تظهر في الصورة المرفقة.
في عام ١٩٩٤ تم تكليفي مع فريق عمل بدراسة إمكانية نقل مياه من نهر الكونجو الي مياه نهر النيل عن طريق جنوب السودان، وتم دراسة الأمر فعلا بجدية ووضع تصورات لما يمكن أن يكون والتكلفة وحجم المياه الممكن رفعها من حوض نهر الكونجو إلي فرع النيل في جنوب السودان، وأعتقد أنني ما زلت احتفظ بنسخة منها في مكان ما، وثبت من الدراسة أن الموضوع ممكن ولكن سيكون مكلف جدا، ويحتاج لمزيد من الدراسات والأفكار الغير تقليدية لتنفيذه، ومنها أو أهمها هو قدرة طلمبات الرفع علي رفع الماء لهذه الارتفاعات بهذه المسافة، حيث أنه من المعروف أن حوض نهر الكونجو منخفض، ومطلوب رفع المياه فوق سلسلة جبال تشكل حدود المنطقة بين الكونجو وجنوب السودان.

المهم أنه كان هناك تصور لوضع طلمبة عائمة بقدرة عالية جدا كما هو في الصورة المرفقة.
وهو ما يمكن تصور حدوثه في منطقة السد، ولكن يأتي نفس السؤال مرة أخري، لمسافة كم وعلي أي ارتفاع !!؟
يغيب عن معظم من يتحدث مسألة الطاقة، وكيف يمكن توفير طاقة كافية لمثل هذه الأمور، ومن خبرتي أؤكد لكم أن محطة لري مثل هذه المساحة التي يدور الكلام حولها حسب تصريح الوزير الأثيوبي ستتراوح تكلفتها ما بين ١٨ الي ٢٢ مليار دولار!! ومرفق صورة أرشيفية لأعمال مد خط الأنابيب من محطة رفع مياه تحلية مياه البحر الأحمر الي المدينة المنورة.

وهي محطة ترفع المياه في مواسير ٦٠ بوصة لتعبر جبال المدينة المنورة بارتفاع ١٠٠٠ متر بطول ٤٠٠ كيلومتر وتكلفت ٩ مليار دولار في عام ١٩٩٦ !! الجزء الأكبر في التكلفة كان في محطة الطاقة اللازمة والتي كانت من شركة ميتسوبيشي اليابانية.

انتهي كلامي ولا ارجو من الله الا طلب واحد لخاطر المصريين اخوتي واهلي، أن يتيقنوا ويتبينوا قبل نشر أي معلومات تخص مصر وأهلها فالكلمة الطائشة تضر، ولا أرى أي ضرر في السؤال أو تقليل من شأن السائل.





