د.معتز محمد أبوزيد: حقوق الطفل من منظور العدالة المناخية
قاض- محاضر مواد القانون العام- خبير تشريعات حقوق الإنسان
اتفقت المواثيق الدولية التي ناقشت حقوق الطفل على مصلحة الطفل الفضلى انطلاقا مما نادت به اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل الصادر عن الأمم المتحدة عام 1989 والتي شكلت اتفاقا دوليا ناجحا على التأكيد على حقوق الطفل ، حيث كانت هذه الاتفاقية أكثر الاتفاقيات المرتبطة بحقوق الإنسان والصادرة عن الأمم المتحدة التي حصلت على توقيع و توافق العديد من الدول على مستوى العالم .
هناك تغيرات عالمية قد حدثت بعد هذه الاتفاقية من قبيل صعود التقنيات الرقمية وتغير المناخ والنزاعات التي تستمر لفترات طويلة والهجرة الجماعية والنزوح القسري والتي تؤدي الى تغيير ملامح حياة الطفولة تغييرا كاملا، حيث يؤدي ذلك الى أن يواجه الأطفال العديد من التهديدات التي تقلل فرصهم في الحصول على حقوقهم.
وقد اهتمت أفكار العدالة المناخية بهذه المتغيرات و التي اعتمدت على فكرة المسئولية التاريخية والتشاركية بين دول العالم وأن الجيل الحالي لا يتحمل هذه المسئولية فقط، وإنما تمتد هذه المسئولية الى استشراف التدابير اللازمة لمنع حدوث مشكلات التغيرات المناخية لما هو قادم في المستقبل وأن العدالة المناخية تقتضي تفعيل قواعد عمومية وشاملة ودولية تلتزم بها جميع الدول لتفعيل أفكار العدالة المناخية في جميع المجالات البيولوجية أو الاقتصادية أو الإنسانية أو الاجتماعية المرتبطة بالتغير المناخي.
ولعل انتشار مبادئ حماية حقوق الأجيال القادمة و التي ترددت كثيرا في المواثيق الدولية بل وفي الدساتير الداخلية للدول والتي عنيت بشكل كبير حقوق أطفال اليوم والذين يشكلون الأجيال القادمة والذين بدورهم سيتحملون مسئولية تنفيذ هذه المبادئ لمن سيأتي بعدهم من أجيال قادمة، وهو ما يجعل حقوق الطفل وما يصاحبها من أفكار حماية حقوق الأجيال القادمة ليست فكرة وقتية أو مصلحة يتعين حمايتها، وإنما هي مبدأ مستدام يتعين تكراره واستقراره .
إن حساسية الارتباط بين مشكلات التغير المناخي وما تقتضيه من تطبيق مفاهيم العدالة المناخية دعت مجلس حقوق الإنسان بالجمعية العامة لحقوق الإنسان بالقيام بدراسة تحليلية بشأن العلاقة بين تغير المناخ و التمتع الكامل والفعلي بحقوق الطفل والتي وردت ضمن تقرير مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان عن تعزيز وحماية حقوق الإنسان المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بما في ذلك الحق في البيئة، وذلك في الدورة الخامسة والثلاثون في يونيه 2017 ، وهو ما يتعين ملاحظته والوقوف على النقاط التي تم رصدها في هذا التقرير.
اتساع نطاق الضرر
واعتمدت هذه الدراسة على اتساع نطاق الضرر الذي تسببه مشكلات التغير المناخي إلى حياة الأطفال ليسوا فقط بوصفهم فئات أشد ضعفا أو احتياجا للحماية، وإنما هم من الفئات التي تقرر لها المزيد من الحماية على نحو فعال ومستدام، حيث أن مشكلات التغير المناخي قد تعيق استخدام الطفل لحقوقه، خاصة الحقوق التي أضيفت حديثا مثل الحق في الحصول على المعلومة الحق في وصول الى التعافي البدني، والنفسي بل وعدم التعريض لأي إجراءات قانونية أو قضائية تمس بحقوق الطفل و العمل على إكساب الأطفال المهارات الحياتية وقدرات اتخاذ القرار و تجنب حالات تعرض الطفل للضرر.
إن الحقوق الثابتة للاسنان والمتأصلة في الكرامة الإنسانية تنص على تفعيل مبادئ الحرية والعدالة والسلم وكذلك الحقوق المرتبطة بحق الطفل في البقاء والنمو وفي ثبات العلاقات الأسرية والهوية وعدم انفصال الطفل عن والديه وفي التمتع بأقصى قدر من الحقوق الصحية والحصول على مستوى معيشي ملائم وضمان حق التعليم و عدم التعرض لأي من أشكال العنف أو الاستغلال وكذلك حصول الطفل على مساحته من أنشطة الترفيه و اللعب والتمتع بالثقافة التي ينتمي إليها، وهي كلها ما تعتبر نطاقات متداخلة مع مجالات التغير المناخي بما يتعين تفعيل أفكار العدالة المناخية بشأنها تحقيقا لمزيد من الضمانات لحقوق الطفل وبضمان توسيع نطاق تنفيذ أفكار العدالة المناخية و مواجهة مشكلان التغير المناخي.
التغير المناخي أحد التهديدات الكبرى لصحة الأطفال
ومن خلال ما تقدم فان هذه المتغيرات والمصالح، و على رأسها التغيرات المناخية دفعت لجنة حقوق الطفل بالأمم المتحدة الى اعتبار التغير المناخي أحد التهديدات الكبرى لصحة الأطفال وحثت دول العالم على العمل على التلطيف من آثار التغيرات المناخية و أنها من المسئوليات التي تقع على عاتق الدول في الحماية من الأضرار البيئية .
وعلى جانب آخر فان الرسائل الرئيسية المتعلقة بحقوق الإنسان وتغير المناخ التي أعدتها مفوضية حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، قررت أنه من الالتزامات الرئيسية على الدول والجهات الأخرى المتحملة للمسئولية في سياق تغير المناخ اتخاذ نهج قائم على مبادئ حقوق الإنسان لحماية الفئات الأشد تضررا وتعرضا لمشكلات تغير المناخ و هو ما يتعين العمل به لتحقيق استراتيجية التنمية المستدامة عام 2030 و يتعين أن يتضمن ذلك مراعاة خصائص حقوق الأطفال وواجباتهم و قدراتهم.
تعديل المناهج الدراسية وإدماج مفاهيم التغير المناخي
المسئولية المذكورة سلفا على عاتق الدول، بل والكيانات الخاصة والأفراد ومؤسسات المجتمع المدني لا تقف فقط عند تدابير واستراتيجيات الحد من المخاطر والوقوف على ما يلزم ذلك من إجراءات، وإنما ظهرت بعض التجارب الناجح في العديد من الدول، ومنها ما قام بتعديل المناهج الدراسية وإدماج مفاهيم التغير المناخي و حقوق الطفل في هذه المناهج وكذلك العمل على ما أوصت به لجنة حقوق الطفل بالأمم المتحدة من مشاركة الأطفال في جهود الحد من آثار التغير المناخي وأن يكون ذلك ضمن أعمال مبادئ حقوق الإنسان بشكل عام و التركيز على حقوق الطفل بشكل خاص .
ثقل ميراث مشكلات التغير المناخي وهو ما يواجهه الجيل الحالي لا يجب أن ينظر إليه بعيدا عن الارتباط بحقوق الأجيال القادمة والتي تبدأ من الوقت الحال متمثلة في الحفاظ على حقوق الطفل، ومراعاة مصلحته الفضلى تجنب تعريضه للخطر أو المساس بحقه في البيئة الملاءمة للبقاء والنمو ، وأن ما تجتهد فيه الدول والمنظمات الدولية في الوقت الراهن لتفعيل مبادئ العدالة المناخية لا يمكن أن يبقى بعيدا عن نطاق حقوق الطفل لاو ما يجب علينا أن نحافظ عليه لضمان مستقبل أفضل لأطفال العالم .





