د.عاطف معتمد: الجغرافيا الكبيرة في اللوحة الصغيرة!
أستاذ الجغرافيا الطبيعية بكلية الآداب جامعة القاهرة
قبل نحو 7 سنوات زرت مدينة “نـــخن Nekhen” المعروفة باسم الكوم الأحمر، الواقعة إلى الجنوب من الأقصر بنحو 70 كم وشمال إدفو بنحو 20 كم.
هذه واحدة من أولى مراكز الحضارة المصرية القديمة، وفيها أثر لأهم ملك في أول أسرة والمعروف باسم “نعر مر” أو “نارمر”، الذي يعود تاريخ حكمه إلى أكثر من 5100 سنة مضت.
في تلك الزيارة التي رافقت فيها د. صالح رجب كانت هناك سيدة فاضلة تعمل كبير مفتشي الآثار في المنطقة، أخذت تشرح لنا ما توفر لديها من معلومات، كنا نتجول معها في الأرض العشبية الفسيحة للمنطقة على الضفة الشرقية للنيل، حتى قالت لي: “توقف لحظة هنا …من تحت أقدامك وفي هذا البقعة عثر الأثريون قديما على لوحة نعر مر”.
هذه اللوحة التي لاتزيد عن 60 سم في الارتفاع و40 سم في العرض تختزل جغرافية واسعة أو جغرافية كبيرة Macro-Geography نختصرها في سبع معلومات بسيطة وأساسية:
▪️ تعرف هذه اللوحة اصطلاحا باسم صلاية نعرمر، ويظن البعض أن صلاية كلمة عربية ولكنها رسم حرفي للكلمة اللاتينية Slate أي لوح رقيق من الصخر الطيني.
▪️ على هذه الصلاية يفسر العلماء ترتيب الصور والمشاهد فيقولون لنا إن نظام قراءة الفن المصري لا يعتمد على الترتيب من اليمين إلى الشمال، ولا من الشمال إلى اليمين، وإنما يقرأ من الأكبر إلى الأصغر، فالأشكال الكبيرة هي الأكثر أهمية، والأشكال والمشاهد الصغيرة التكميلية تستخدم كخلفية أو كمعلومات إضافية.
▪️ والصخر الذي شكلت منه الصلاية بالغ الأهمية في جيولوجية مصر عرف باسم حجر بخن bekhen وكان مطلوبا لأوصافه وأهمها لونه الأخضر المبهج. لم يكن لون الصخر الذي يشبه الزرع والحقول الخصبة هو مصدر الإغراء الوحيد لتحجيره من مناجم الصحراء الشرقية، بل أيضا لأن هذا الصخر الطيني ناعم الحبيبات يسهل تشكيله والتدوين عليه.
حجر بخن bekhen▪️ أشهر محاجر هذا الصخر في منطقة وادي الحمامات في صحراء مصر الشرقية، وهي تلك المنطقة التي عثر العلماء غير بعيد عنها على أدلة بشرية تزيد عن 100 ألف سنة مضت لإنسان العصر الحجري، وبالتالي فإن أول ملك في أول أسرة (3100 ق. م) كان يمد نسبا للأجداد في عمق التاريخ المصري الذين جاءوا إلى وادي النيل من الصحراء الشرقية.
▪️ تضم الرسوم أشكالا مختلفة عن القضاء على الحكام المنافسين في الأقاليم المصرية في الشمال والجنوب من أجل توحيد البلاد في جغرافية متكاملة تقوم على أن يكون الحاكم هو رب الأرضين “الوادي والدلتا” ولا تكتمل هويات الوادي والدلتا إلا بالتكامل الصحراوي المحيط بهما.
▪️ يقول علماء الآثار إن الرسوم غريبة الطراز المحفورة على الصلاية والتي يتعانق فيها اثنان من الحيوانات برقاب طويلة إنما هي مؤثرات فنية وافدة على الحضارة المصرية، استلهمها المصريون القدماء من وراء سيناء، أي انهم كانوا على صلات ببلاد الشام وبلاد الرافدين في عصور ما قبل الأسرات وقبل تكوين الدولة الموحدة. ويحددون الموقع الجغرافي بدقة في بلاد الرافدين كمؤثرات لهذه التصوير الفريد للحيوانات. وهذه الفترة أيضا وما سبقها من عصر ما قبل الأسرات كانت تشهد علاقات مع فلسطين للحصول على النحاس قبل أن يتم استكشاف النحاس بوفرة في صحراء مصر الشرقية ومعه النقلة النوعية الأكبر في اكتشاف الذهب.
▪️ الجغرافيا الكبيرة Macro-Geography تتسم بالتكامل أيضا، فمنطقة إدفو -الأقصر التي تقع فيها مدينة نخن، والتي عثر فيها على صلاية “نعر مر” لها مداخل جغرافية عميقة مع الصحراء الشرقية، ومن خلف الصحراء الشرقية جبل الزيت وخليج السويس، وكان المصريون القدماء يعبرون هذه المنطقة بالمراكب إلى جنوب سيناء ومنها إلى فلسطين، وفي وقت لاحق كانوا يقطعون الصحراء الشرقية إلى شرق الدلتا ومن هناك عبر سيناء ومن سيناء إلى فلسطين ومن خلفها بلاد الشام وبلاد الرافدين.
نقلا عن صفحة الدكتور عاطف معتمد الشخصية على فيس بوك





