وجهات نظر

د.عاطف معتمد: ثعلب صغير وغزالة مذعورة !

أستاذ الجغرافيا الطبيعية بكلية الآداب جامعة القاهرة

قبل أربع سنوات، وخلال رحلة في غرود الرمال في الواحات الخارجة، أخبرني الدليل الميداني – الذي صار أخا وصديقا- بأنهم يطلقون على هذه الشجيرات التي تبدو في الصورة مسمى “عَـبْـل”.

هل للاسم تشابه مع “عَبلة” التي أحبها أبو الفوارس “عنترة” وصاغ من أجلها أشعارا ممزوجة برغبة فوارة للانعتاق والحرية؟

التعريف اللغوي لشجيرات “العــَــبْــــــل” غامض نسبيا، فالعبل هو ذلك النبات الذي ينمو كبيرا وضخما مقارنة بالحشائش الصغيرة، وتتسم أوراقة بالدقة والرشاقة، وحين يقف هذا النبات على سيقان ويرتفع لأعلى يصبح اسمه شجر “الأثل” أحد أشهر أشجار الصحاري.

يستبعد أن تكون صفات الكبر والضخامة هي التي أخذت منها عبلة اسمها وإن كانت صفة الكبر حاضرة في معنى الاسم المعجمي الذي يشير إلى أن المرأة العبلة هي “كاملة الأخلاق”.

ليس هناك ما يمنع أن تكون الضخامة صفة للجمال، وهناك عشاق حول العالم للمرأة البدينة، لكن عنترة يفصل القضية بتغزله في عبلة بأنها ممشوقة كشجر البان، وربما كان وصفها بالعبل مستوحى من أوراق العبل المعروفة بأنها مستدقة رفيعة.

في الأبيات التالية التي أنشدها عنترة قبل ظهور الإسلام (ولد أبو الفوارس قبل نحو 1500 سنة) يقدم شاعرنا مثالا مبدعا في الغزل، في تلك القصيدة التي يسميها النقاد “الغزالة المذعورة”

رَمَتِ الفُؤادَ مَليحَةٌ عَذْرَاءُ🔹بسهامِ لَحْظٍ، ما لهُنَّ دَوَاءُ
مَرّتْ أوَانَ العيدِ بَينَ نَوَاهِدٍ🔹مثْلِ الشُّموسِ لِحاظُهنّ ظُباءُ
فاغْتالَني سَقَمي الذي في باطني🔹أخْفَيْتُهُ فأذاعَهُ الإخْفَاءُ
خَطَرتْ فقلتُ قضيبُ بانٍ🔹حَرّكتْ أعطافَهُ بعدَ الجَنوبِ صباءُ
وَرَنَتْ فقلت غَزَالةٌ مذعورَةٌ🔹قد رَاعَها وَسْطَ الفلاةِ بلاءُ
وبَدَتْ فقلتُ البَدرُ ليلةَ تَّمِهِ🔹قَدْ قَلّدَتْهُ نُجومَها الجَوْزَاءُ
بَسَمَتْ فلاحَ ضياءُ لؤلؤ ثغرِها🔹فيِه لِداءِ العاشِقين شِفَاءُ
سَجَدَتْ تُعَظّمُ رَبَّها فَتمايَلتْ🔹لجلالها أرْبابُنا العُظَمَاءُ
يا عَبْلَ مثلُ هَوَاكِ أوْ أضْعافهُ🔹عندي إذا وَقَعَ الإياسُ رَجاءُ

وكما نرى في الأبيات، استخدم شاعرنا مفردات من بيئة السماء المكشوفة والرياح النشطة وشموس الصحراء ونجومها، وسيوف وسهام القتال، والحب والعشق، وظهور وإخفاء، وأشجار البان الرشيقة، والغزلان الشاردة المذعورة.

سنجد في الأبيات مفردات مثل سهام لَحْظٍ (دقيقة لا تخطئ الهدف) وظباء (حادة كحد السيف)؛ نواهد (إشراف وظهور ثدي الفتاة على صدرها)؛ شموس (نجوم منيرة في السماء)؛ قضيب بان (القضيب ساق رفيع لشجر البان الممشوق)؛ وأعطاف شجر أي فروعه التي تتمايل مع الرياح؛ “الجنوب” رياح جنوبية و”الصبا” رياح شرقية؛ رَنَتْ عبلة أي أطالت النظر ساكنة الطرف، الفلاة: الصحراء.

وكما قلت فإن الصورة المرفقة توضح شجيرات العبل في الواحات الخارجة وحين وضعت عيني في الكاميرا لتسجيل الصورة تصادف أن وقف أمامي وقت التصوير ثعلب صغير ..رشيق …كان يهرع مسرعا قادما من جبل “قرن جناح”.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading