وجهات نظر

د.عاطف معتمد: موسى وأخناتون

أستاذ الجغرافيا الطبيعية بكلية الآداب جامعة القاهرة

قبل يومين قدمت عرضا سريعا لكتاب “جدل السلطة والمقدس”. وقلت إن الفصل الأخير فيه يستوجب التوقف والقراءة المتمهلة.

في الفصل الأخير يذهب المؤلف “يان أسمان” إلى أن موسى هو اسم مصري لرجل عبري أسس لدين جديد.

يقترح أسمان أنه يجب أن نحصل على المعلومات عن موسى من مصدرين:

– المصدر العبري

– الرواية المصرية عن آثار وجود موسى التاريخي وهويته.

المشكلة أن هناك غيابا كاملا لأية آثار تاريخية لموسى في المصادر المصرية وهو ما يعني افتقاد الوجود التاريخي لشخصية موسى.

يمضي أسمان موضحا أن هناك نسخا أولى من قصة موسى في شكل نظائر وملاحم أقدم في الحضارات السابقة كتلك التي حدثنا عنها هوميروس، والنقوش الملكية للعصر الآشوري في القرن الثالث والعشرين قبل الميلاد، وإنيادة الشاعر فرجيل Vergil التي تذكر بطروادة.

وقبل هذا، كان هناك تراث مصر في عصري العمارنة والرعامسة، ويمكن توضيح هذه المشكلة من خلال تحليل العلاقة بين موسى وأخناتون.

لا يمكن إنكار وجود علاقة بين هاتين الشخصيتين، فقد دعي كل منهما إلى رفض تعدد الآلهة لصالح عبادة إله واحد.

يذهب أسمان إلى هناك ثلاثة احتمالات للعلاقة بين موسى وأخناتون:

– علاقة التطابق، أي أن أخناتون، شخصية كانت موجودة حقا، لكنها لم تستطع الاستمرار في صورة أي شكل من أشكال التقاليد، بينما موسى هو شخصية التقليد التوراتي التي تعذر العثور على أي آثار تدل على وجود تاريخي حقيقي لها، أي أنهما بالأساس نفس الشخص، وهذه أطروحة مفضلة لما يعرف بأدب الاكتشافات.

– علاقة السببية، أي أن أخناتون أثر على موسى، إما مباشرة كما يتصور سيجموند فرويد ( في كتابه الصادر في عام 1939 ) الذي اعتبر موسى أحد أتباع أخناتون، أو بشكل غير مباشر، أي من خلال نصوص وروايات وتذكيرات بدين العمارنة وصلت بوسائل ما إلى موسى، أو أن تكون هذه النصوص والروايات والتذكيرات وجدت طريقا إلى الكتاب المقدس وساهمت في صياغة التوحيد الكتابي.

علاقة التولد، علاقة العلة والمعلول، أخناتون السبب والعلة، ودعوة موسى متولدة عن العلة الأولى.

تصطدم النظرية الأخيرة بحقيقة أن أخناتون ودين العمارنة في مصر لم يُحدِثا أي تيار تذكيري. بل وحسبما هو معروف، فقد تعرضت جميع الآثار التي تركها أخناتون بعد وفاته إلى محو ممنهج، بل وحذف اسم اخناتون من القوائم الملكية بسبب التقليد الذي كان معروفا بمحو الذكر damnatio memoriae والذي كان يُطبّق على الخونة والزنادقة، مما جعل هذه الآثار تعتمد في وجودها على دلائل وأمارات أخرى على روايات الهكسوس أو الآشوريين أو الفرس، وأخيرا على روايات الإسرائيليين.

هذه سطور مختصرة لموضوع شائك، صدرت عنه مراجع كثيرة خلال القرن الماضي، وفي ظني أن مراجع أخرى بالعشرات ستظهر في الفترة القادمة ليست فقط عن الديانة الإبراهيمية ودور بني إسرائيل القديم والحديث ولن تقف فقط عند التحليلات المتباينة للشخصيات الدينية التاريخية، بل سيشمل ذلك أيضا إعادة رسم الجغرافيا التاريخية والدينية للمنطقة من جديد !

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading