د.عاطف معتمد: هل تحتاج سيناء إلى عيد نتذكرها فيه؟
أستاذ الجغرافيا الطبيعية بكلية الآداب جامعة القاهرة
هي نفس فكرة “عيد الأم“، لقد كنا ننظر إلى أمهاتنا كل يوم هي معنا فيه باعتباره عيدا.
قبل يومين قالوا إن اليوم هو يوم القراءة وعيد الكتاب، هل نتوقف عن القراءة إلى أن يأتي العيد؟
إن هذه الطريقة من تقسيم السنة إلى أيام ومناسبات تفقد الأشياء معناها في عصر الترندات والموضة.
في عام 1998 عاصرت عيدا في روسيا يسمونه عيد الاستقلال. ذهبت بالصدفة إلى أحد الأسواق ووجدت المكان مغلقا…قال لي شيخ وقور يقف على ناصية شارع 9 في مدينة سان بطرسبرغ: اليوم عيد الاستقلال؟
سألت نفسي استقلال روسيا ….متى وعن من؟!
ولما رأي الرجل ترددي قال لي : أنت أيضا مندهش؟ نحن كذلك لا نعرف عن أي احتلال حصلنا على استقلالنا؟
كانت هذه فترة بوريس يلتسين وسيطرة التيار الاقتصادي الغربي على البلاد وتفكيك الشيوعية، والسخرية من الاتحاد السوفيتي.
كان عيد الاستقلال يعني استقلال روسيا عن الاتحاد السوفيتي الذي أسهم بوريس يلتسين في تفكيكه رسميا.
كان الشيوعيون يسخرون من “عيد الاستقلال” ويتعجبون: كيف تحتفل دولة بتفككها؟
زادت النكتة ألما حين قال بعض الشيوعيين “هذا عيد استقلال روسيا عن نفسها !”
أما الشباب الأحدث عمرا، فكان لليوم معنى في عالم تشرف عليه طلائع الرأسمالية والليبرالية بوعودها المراوغة، التي سرعان ما تغيرت بقدوم فلاديمير بوتين في عام 2000.
نعود إلى سيناء؟ هل نحن حقا في حاجة إلى عيد؟
وهل ذلك العيد يعني يوم تحرير آخر جزء من طابا من الاحتلال الإسرائيلي؟
إن أيام سيناء ممتدة منذ آلاف السنين، وفي كل عدة سنين هناك حدث جلل في سيناء..هل نحصي أيام سيناء عددا؟!
في عام 2006 كنت أجمع بيانات من الصحراء خلال إعدادي لبحث في الجغرافيا الطبيعية، كانت تلك الصحراء في شرق شبه الجزيرة العربية خلال تدريسي في إحدى الجامعات بهذه الدولة الشقيقة.
كعادتي في كل مكان، أمد جسور الود والصداقة مع طلابي. وقد تطوع بعضهم بمساعدتي بتأجير سيارة دفع رباعي، على أن يكون دورهم مرافقتي إلى حقول الرمال والسبخات الطينية للتعرف أكثر على بلادهم.
كانوا ثلاثة من الطلاب على المذهب الشيعي.
في منتصف النهار ووقت تناول الطعام في منتصف اليوم تجنبا للحرارة الشديدة كنا نجلس ساعتين نتكلم في كل شيء.
لاحظت أنه في كل يوم لديهم ما يشبه ذكرى أحد الأئمة أو عيد ديني مذهبي.
لم يكن الطلاب الثلاثة يحفظون هذه الأيام بل يخرجون كتيب صغير بحجم الجيب فيه ملاحظات مطبوعة بألوان زاهية وفيها الأيام والذكريات في المذهب الشيعي.
ولما لاحظت أن كل يوم تقريبا لديهم ذكرى داعبتهم قائلا ” لا داع للنظر كل يوم في هذا التقويم..دعونا نعتبر أن كل يوم لديكم ذكرى أو عيد أو مناسبة”
كنت أحسب أن دعابتي هذه مفارقة لطيفة حتى توصلت إلى التعبير الشيعي الشهير “كل أرض كربلاء..وكل يوم عاشوراء”.
حسنا، يبدو أنني شتت القارئ بذكريات عن الشيوعية والشيعية، سأعود فورا إلى سيناء وأقول في كلمتين:
“جميل أن نحفظ لسيناء يوما للذكرى…ولكن الحقيقة أنها حاضرة كل يوم، فتاريخ مصر القديم والمعاصر مرتبط بأرض سيناء وفلسطين، ومستقبل مصر مرهون بهما معا، ولو كنا في بلاد عاقلة لوجهنا تلك الملايين من الدولارات التي تنفق في مسلسلات وأفلام – موسمية الأثر- إلى أفلام وثائقية وعلمية وتصوير – من كل زوايا الأرض والجو والبحر – لأرض سيناء وأهلها وارتباطها العضوي ببقية أرض مصر،
فسيناء كما نعرف ” أكبر من يوم وأعظم من أغنية” !
نقلا عن صحفة د. عاطف معتمد الشحصية على فيس بوك


