د. طارق قابيل: زراعة البلاستيك.. الخيال أصبح حقيقة
كاتب ومترجم- عضو هيئة التدريس بكلية العلوم- جامعة القاهرة

من المعروف أن البترول هو أساس صناعة البلاستيك، والبلاستيك الذي نستخدمه حاليا ينتج عن طريق سلاسل من مركبات مشتقة من البترول يطلق عليها بوليمرات، كما يطلق على الجزيئات المفردة المكونة لتلك السلاسل مونومرات وحتى الآن كان يعوق إنتاج أنواع متعددة من البلاستيك وجود عدد محدود من المركبات التي يمكن عملها من المونومرات الموجودة في البترول، فهل النباتات أكثر مهارة من البترول في انتاج البلاستيك؟
في الحقيقة أن النباتات المحورة وراثيا لإنتاج البلاستيك سيكون لديها القدرة على صناعة أنواع جديدة من البلاستيك الحيوي ذات خصائص أكثر تميزًا من حيث الشدة أو المرونة والقدرة على التحلل، وإنتاج أنواع متطورة من البلاستيك تحمل خصائص لا تتوافر في أنواع البلاستيك البترولي الحالي.
وسوف تنتج النباتات المحورة وراثيا نوعا من البلاستيك الحيوي المصمم للتحلل العضوي في الظروف الطبيعية.
من حيث المنشأ فان البلاستيك ينتج عن طريق سلاسل من مركبات كيميائية تم اشتقاقها من البترول، هذه السلاسل أطلق عليها علميا البوليمرات، ورغم محدودية المنشأ لهذه المادة إلا انها استطاعت ان تغزو كل حياة الانسان وتصبح واحده من المواد التي لم يستطع الكثير الاستغناء عنها حتى الان رغم ادراكهم انها باتت واحدة من مهددات حياتهم خاصة بعد ان تم رصدها كواحدة من أبرز المواد ضررا بالصحة العامة والبيئة على السواء.
أما النباتات فهي مصانع كيميائية مذهلة تنتج عددا مهولا من المواد الكيميائية، كما أن النبات لديه نظام لإنتاج وتخزين كميات كبيرة من المركبات، والتي يستخدمها في حمايته من الحشرات والأمراض والأشعة فوق البنفسجية المتواجدة في ضوء الشمس، وغيرها من العمليات الحيوية الأخرى.
كما يمكن للنبات تخزين كميات هائلة من النشا، كما في جذور نبات البطاطا وسيقان نبات البطاطس، ومن الممكن تحوير هذه العملية وراثيا لتخزين المواد الأولية لصناعة البلاستيك الحيوي.
دور التكنولوجيا الحيوية في زراعة البلاستيك
وجهت البحوث لإنتاج مركبات تماثل خواص البلاستيك ولكنها سهله التحلل بواسطة الكائنات الأولية، وعن طريق دراسة البكتريا وجد أنها تختزن الطاقة على هيئة حبيبات من اللدائن، مثل البلاستيك، ولكن هذا النوع من اللدائن قابل للتحلل بفعل البكتريا والفطريات إلى ثاني اكسيد الكربون وماء وماده باليه، مع احتفاظه بنفس قوة تحمل ومتانة وثبات البلاستيك الصناعي.
وأنتج العلماء عن طريق استخدام التقنيات الحيوية سلاله بكتريه لها قدرة فائقة على تحويل السكر إلى بولى استر بكتيري يشبه في صفاته الطبيعية مادة البلاستيك الى حد كبير.
وهي تنتج هذه المواد المعقدة بمعدل أسرع ودرجه نقاء اعلى مما يمكن إنتاجه في المختبر.
ويحاول علماء البيولوجيا الجزيئية الاستفادة من نشاط هذه البكتيريا لإنتاج البلاستيك على نطاق تجارى.
ويمكن تعديل المسارات الكيميائية في البكتريا عن طريق التعديل الجيني وبالفعل تم إنتاج سلاله محسنة تعطى أنتاج أوفر من مادة البولى استر البكتيري والذي يتكون من نوع طبيعي من البوليمرات يسمى بولى هيدروكسى بيوتيرات ليحل محل البلاستيك.
ويصل أنتاج البكتيريا من هذه المادة الى 80 % من وزنها الجاف.
وحاليا يعكف العلماء على التحسين من خواص هذا البلاستيك الطبيعي بتغير البيئة التي تربي عليها البكتريا ويمكن التحايل على هذه الكائنات لتصنيع ماده لدنه أكثر تماسكا ومرونة تصلح لإنتاج أنواع من اللدائن تدخل في صناعة الزجاج والأواني البلاستيكية.
وتم نقل الجين المسئول عن أنتاج مثل هذه اللدائن لبكتيريا أخرى وبدأت تنتج هذه اللدائن بصفات محسنة.
وقد نجح فريق من العلماء في مجال الهندسة الوراثية في عمل تهجين بكتيري بين البكتيريا المنتجة للدائن طويله السلسلة واللدائن قصيرة السلسلة لإنتاج ماده بلاستيكية جديدة ذات خواص غير مألوفة.
وعن طريق تقنيات التكنولوجيا الحيوية يمكن تحديد الجين المسئول عن إنتاج المركبات الكيميائية المطلوبة لإنتاج أنواع خاصة من البلاستيك، ويمكن إيلاج هذا الجين في جينات النباتات لتقوم بإنتاج المركب الكيميائي المطلوب.
كما يمكن للعلماء هندسة المسارات البيوكيمائية للنبات لإنتاج مواد أساسية لصناعة بلاستيك بصفات مميزة ومطلوبة صناعيا، ويمكنهم أيضا دفع النباتات لإنتاج كميات كبيرة من هذه العناصر الكيميائية الأولية اللازمة لتصنيع اللدائن الحيوية.
ولن تتم زراعة البلاستيك بصورة مباشره ولكنه سيكون ناتجا ثانويا للنبات في الأعضاء التي تستهلك عادة في الغذاء.
كيف تقوم هذه النباتات بتخزين البلاستيك؟
حاليا يستطيع العلماء تحديد الموقع المناسب لإفراز هذه المواد عن طريق استخدام طرق التحوير الوراثي الحديثة وتعديل المسارات الكيميائية الحيوية.
ومن الأماكن المفضلة مثلا الأجزاء الدرنية المخزنة، حيث يتم استبدال تخزين النشا بتخزين المواد الأولية لإنتاج البلاستيك بكميات كبيرة، أو تعديل الزيوت النباتية وإحلال المواد البلاستيكية محلها.
وبدأت التجارب على النباتات التي تخزن النشا كغذاء مثل البطاطا وبنجر السكر وتعديل مخزونها من النشا لمخزون من المواد البلاستيكية الجديدة.
وتعتبر النّباتات مصانع كيميائيّة جذّابة للغاية لرخص أسعارها، ولأنها تحصل على الغذاء المجاني من الطبيعة كثاني أكسيد الكربون وضوء الشّمس والماء، أما في حالة استخدام الميكروبات لهذا الغرض فيجب أن يتوفر رأس مال كبير لبناء المصانع لتغذية الميكروبات التي تنتج البلاستيك.
ويمكن حث النبات على حفظ وتخزين هذه المركبات، وبالتالي يمكن استخراجها واستخدامها في تصنيع أنواع جديدة من البلاستيك.
إلا أن المشكلة الحقيقية التي ما زالت تواجه الباحثين هي كيفية حث النبات على إنتاج كميات وفيرة من تلك المركبات؛ حتى تصبح عملية إنتاج البلاستيك منها قابلة للتنفيذ بصورة اقتصادية. فرغم أن البترول من المصادر المحدودة وغير المتجددة، فإنه ما زال مصدر أقل تكلفة لمونومرات البلاستيك من النباتات.
يمكن إنتاج بلاستيك بمواصفات خاصة ومحددة عن طريق تزاوج التقنيات الحيوية مع تقنيات وعلوم النانوتكنولوجى لإنتاج بلاستيك حيوي بمواصفات محددة تصلح لتصنيع العديد من المنتجات الصناعية والطبية.
وهناك تجارب كثيرة في هذا المجال لإنتاج مواد بلاستيكية قوية ومتينة ومرنة ولا يلفظها الجسم، ولا تستثير جهازه المناعي، ويمكن استخدامها في صنع العديد من المواد التعويضية.
وينتظر في المستقبل القريب مع بداية إنتاج تلك الأنواع المتطورة من البلاستيك بخصائصه المتميزة أن يفتح مجالات جديدة لاستخدامات البلاستيك لم تكن مطروقة من قبل، كما قد نجد أنواع البلاستيك المناسبة لصناعة بعض الأشياء التي لم يكن يناسبها أنواعً البلاستيك الحالية، مثل صناعة قلوب وصمامات صناعية.
آثار سلبية
قد يكون هناك بعض التأثيرات على المسارات الأيضية للنبات، نتيجة للتعديل الوراثي، وحسب طبيعة إنتاجه، والجزء المستخدم منه.
ويفكر العلماء في إنتاج المواد الأولية في أعضاء النبات غير المستخدمة في الغذاء، بحيث تفرز في أماكن محددة في النبات ولا تفرز في أماكن أخرى.
وبهذا يمكن استخدام نباتات المحاصيل في إنتاج الغذاء بالإضافة لإنتاج المواد الصناعية الأولية كمواد ثانوية.
جاء التباطؤ في هذا المجال البحثي نتيجة حتمية للنظم والقوانين المحددة لتطوير المنتجات الصناعية والطبية والحيوية، والتجارب اللازمة، والقوانين الصارمة لإطلاق أي منتج محور وراثي في البيئة لتفادى التأثير على النظم البيئية.
كما أن التطور في مثل هذه البحوث الحديثة يستلزم تمويلا كبيرا، وهو الشيئي غير المضمون عادة، والذي قد يؤثر تأثيرا كبيرا في عدم إتمام الخطوات اللازمة لتطوير البحوث العلمية إلى منتج صناعي.
ومن أهم المشاكل الحالية هي مشكلة الأمان الحيوي للنباتات المحورة وراثيا، حيث لا تسمح العديد من الدول بزراعة نباتات محورة وراثيا في أراضيها نتيجة للعديد من المخاوف التي قد تتسبب فيها مثل هذه الكائنات الجديدة.
كما أن مشاكل مثل نقص الغذاء وندرة المياه وتضاؤل الأراضي الصالحة للزراعة، وتعقيدات التغيرات المناخية، والكلفة العالية لإنتاج البلاستيك الحيوي من النبات تمنع تبنيها من قبل الدول والحكومات.
وهناك العديد من الأفكار المستقبلية للتغلب على مثل هذه المشكلات مثل استخدام نباتات غير غذائية تزرع بمياه مالحة في أراض غير صالحة للزراعة التقليدية، أو التوسع في استخدام البكتريا والمفاعلات الحيوية في إنتاج مثل هذه المواد الأولية.




