د.طارق قابيل: حلم زراعة الأرز في المحيط.. بين الخيال والواقع
كاتب ومترجم- عضو هيئة التدريس بكلية العلوم- جامعة القاهرة

يمكن استخدام تقنية كريسبر لتعديل الجينات القديمة لتكون غذاءً فائقًا في المستقبل
في عام 1986، عندما كنت أقدم “سيمنار” أو عرض للتقدم للماجستير في قسم النبات والميكروبيولوجي بكلية العلوم جامعة القاهرة، وبعد دراسة عملية امتدت لأكثر من 6 سنوات، وتلاها أكثر من 4 سنوات كتابة ومراجعة للرسالة، علق أحد الأساتذة على البحث بأن ما فهمه من هذا العمل هو أنني أحاول في هذه الدراسة زراعة البحر بأجود أصناف الكانتلوب، وقال إن هذا الأمر محض خيال، وورينا شطارتك يا سيدي!
وعلى الرغم من أن الفكرة كانت بالفعل بعيدة كل البعد عن العمل الذي أعتمد على تقنيات الزراعة النسيجية والهندسة الوراثية المتاحة وقتها للحصول على نباتات من صنف من الشمام، وهو النبات المعروف بالكانتلوب، تتحمل الملوحة الزائدة فقط، ولم نصل إلي استخدام ما يقابل ملوحة نصف ماء البحر، ولكن نجحت في تطوير نباتات تتحمل الملوحة عبر الانتخاب الخلوي عبر زراعة الأنسجة النباتية والتحوير الوراثي، إلا أن حلم الوصول لزراعة نباتات بمياه بحر كاملة الملوحة كان بالفعل حلما بعيد المنال.
أصل الحكاية
بدأت الحكاية منذ حوالي 75 مليون سنة، عندما عادت مجموعة رائعة من النباتات المزهرة المعروفة باسم الأعشاب البحرية إلى المحيطات من اليابسة، حيث نشأت جميع الحياة النباتية منذ حوالي 500 مليون سنة، وللازدهار في بيئة مالحة، كان عليها أن تتكيف وطوّرت في النهاية تحملاً للملح.
نفس مجموعة الجينات التي تسمح للأعشاب البحرية بالنمو في المياه المالحة تظل كامنة وغير مستخدمة في العديد من محاصيلنا الأرضية مثل الأرز والقمح والذرة.
وإذا تمكنا من تنشيط هذه الجينات، فيمكن زراعة هذه المحاصيل في المياه قليلة الملوحة – أو حتى زراعتها مباشرة في البحار والمحيطات – لتصبح أحد الأصول الجديدة الهائلة في سلسلة الإمداد الغذائي العالمية لإطعام العالم في عام 2050، والذي ستحتاج فيه البشرية إلى إنتاج ما يزيد عن 60% من الغذاء مقارنة بعام 2010.
ولهذا، تحاول شركة الزراعة المحيطية “ألورا” أن تحقق هذا الهدف باستخدام أدوات التحرير الجيني المعروفة باسم ” كريسبر”، ويقومون بتجربة رائدة لزراعة نباتات الأرز على اليابسة في المياه المالحة، ثم الانتقال في النهاية إلى زراعته على منصات عائمة قبالة سواحل البلدان الأفريقية والآسيوية.
لقد تمكن المؤسس المشارك للشركة لوك يونغ من العثور على نمط معين من ثمانية جينات، في الأعشاب البحرية وأشجار المانجروف، تعمل معًا للسماح للنبات ليس فقط بالدفاع عن نفسه ضد البيئة المالحة، ولكن استخدامه لمصلحته الخاصة كطريقة للحصول على الطاقة.
تبدأ شركة الزراعة المحيطية “ألورا” تجاربها بتعديل الأرز، وهو ثالث أكثر المحاصيل الزراعية إنتاجًا في العالم (بعد قصب السكر والذرة) وأهم غذاء أساسي لنصف سكان الأرض.
ويعتبر الأرز عرضة بشكل خاص لتسلل المياه المالحة، وغزو التربة الساحلية بمياه المحيط، والتي تتفاقم بسبب الأنشطة البشرية مثل استخراج المياه الجوفية وارتفاع مستوى سطح البحر بسبب تغير المناخ.
تؤثر مشكلة تسرب المياه المالحة على الزراعة الساحلية في كل مكان في العالم، وهي حادة بشكل خاص في جنوب شرق آسيا، حيث تلحق الضرر بالفعل بالمحاصيل.
والشركة على وشك بدء تجربة في دلتا ميكونج، وهي متاهة مذهلة من المستنقعات والجداول وحقول الأرز والمدن النهرية بين مدينة هوشي منه وبنوم بنه.
إنها واحدة من أبرز المناطق الزراعية في المنطقة وتمثل 50 في المائة من إنتاج الأرز في فيتنام – خامس أكبر منتج للأرز في العالم، حيث تجاوزت صادراتها 3.27 مليار دولار في عام 2021.
تتدفق مياه البحر بشكل طبيعي إلى الدلتا كل عام، ولكن حالات الجفاف الأخيرة والهياكل التي من صنع الإنسان مثل السدود قللت من قدرة الدلتا على تخفيف وغسل الملح في المياه العذبة.
وتتخذ الحكومة الفيتنامية الآن خطوات ضد تسرب المياه المالحة، مثل زراعة المحاصيل في وقت مبكر وتركيب بوابات في قنوات الري لإبقاء المياه العذبة بالداخل والمياه المالحة.
تسببت المشكلة في خسارة مليون طن من الأرز في الدلتا في موسم الحصاد 2015-2016 وحده.
ويتعرض الأرز لخطر شديد بسبب مستوى الملوحة الذي يزيد عن 3 جرامات لكل لتر، أي حوالي عُشر ملوحة مياه البحر.
يقول يونغ : “إن هذه المستويات قد تم تجاوزها بالفعل في بعض أجزاء فيتنام”. لكنه يدعي أن نباتات الشركة أكثر مقاومة.
ويضيف: “في الوقت الحالي لدينا نباتات تنمو بشكل مريح في نصف مستوى المياه المالحة المحيطية [16 جرامًا لكل لتر].. نحن نعرف بالضبط ما يجب القيام به للحصول على من 16 إلى 32، وهو مستوى ملح محيطي كامل.”
ويقول يونغ: “الملح يفعل شيئين للنباتات، أولاً يسحب الماء، مما يقلل من قدرة النبات على النمو والدفاع عن نفسه ضد العناصر؛ ثم يؤدي إلى إبطاء عملية التمثيل الغذائي للنبات وإضعاف قدرته على التمثيل الضوئي، مما يقلل غلة المحصول “.
تعمل الشركة حاليًا على عدد قليل من أصناف الأرز من اليابان وفيتنام، ويقول يونغ “لدينا بنك بذور صغير من الأصناف من كل مناطق إنتاج الأرز الرئيسية في العالم: الولايات المتحدة، وجنوب شرق آسيا، وروسيا، اليابان والهند ودول شرق وغرب إفريقيا، وزوجان من أوروبا أيضًا.
سيتم تطوير كل هذه الأنواع إلى أصناف مقاومة للملح على مدار العام ونصف العام المقبل. ”
اعتراضات ونجاحات
أحد الاعتراضات الرئيسية على الأطعمة المعدلة وراثيًا مثل فول الصويا والذرة هو عملية إدخال الجينات من نوع إلى آخر، مما يؤدي إلى إنشاء كائنات حية محورة جينيا.
ولكن من خلال تعديل جينوم النبات نفسه، لا يتم إدخال أي حمض نووي أجنبي. ويقول يونغ: “يمكننا تنشيط هذه الجينات في المحاصيل الأرضية بنفس نمط هذه النباتات البحرية، دون إدخال أي شيء آخر من أي كائن حي آخر.”
ويوضح يونغ عملية تحرير الجينات كشكل من أشكال التطور السريع، ويبدو الأمر كما لو كنت قد طورت هذا المحصول على مدى 100000 أو 200000 سنة، وقمت بتربيته باستمرار لتحمل الملح عن طريق نظم التربية التقليدية.
ومؤخرا، تم طرح أول طماطم “كريسبر” للبيع العام الماضي في اليابان وقد يتبعها قريبًا فطر مقاوم للتحمير وله مدة صلاحية أطول. ومن المتوقع أن هذه التقنية ستتمتع بقبول أعلى للمستهلكين وعقبات تنظيمية أقل مقارنة بالكائنات المعدلة وراثيًا.
جادل منتقدو هذه التقنية، مثل مجموعة الحملات في المملكة المتحدة، بأن الأخطاء يمكن أن تحدث وأن مؤيديها يوصفون “كريسبر” بتبسيط متعمد، لجعل الناس يشعرون بالراحة حيال ذلك.
ولكن بمجرد تحقيق نتائج إيجابية من تجارب زراعة الأراضي، تخطط شركة الزراعة المحيطية “ألورا” للانتقال إلى الزراعة في المحيطات. وسيتضمن ذلك بدء زراعة نباتات الأرز لمدة أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع على الأرض ثم نقلها إلى منصات يصل ارتفاعها إلى 30 قدمًا، وتطفو على الماء في المزارع المائية.
يمكن للأرز المزروع في المحيط البقاء على قيد الحياة لمسافة تصل إلى 120 ميلاً من الساحل، وأبعد من ذلك تنخفض مستويات المغذيات في الماء كثيرًا، على الرغم من أن شركة “ألورا” تعمل على حل يتضمن تطوير بكتيريا تغذي النباتات بالكربون.
تم التخطيط لمشروع تجريبي خلال العام المقبل أو نحو ذلك في سنغافورة، في البداية في بيئة معملية.
وقد أعربت المزيد من البلدان عن اهتمامها باستضافة تجارب لكل من أنواع الزراعة في الأرض والمحيطات، بما في ذلك كينيا وناميبيا وجنوب إفريقيا والفلبين وإندونيسيا وماليزيا وتايلاند.
وقال إد باريت لينارد، وهو خبير في الزراعة الملحية لا يشارك في شركة “ألورا” ولكنه على دراية بأبحاثها، مع الحكومة الأسترالية وجامعة أستراليا الغربية إن تكنولوجيا الشركة الناشئة تجعله “متشككًا ولكن متفائلًا”، ويضيف أن الشيء الأكثر إثارة هو إثبات المفهوم: جعل المحاصيل تتحمل الملح سيكون تحويليًا بشكل كبير.
وأضاف لينارد: “حتى مجرد الحصول على جزء من الطريق إلى هناك من شأنه أن يشجع المجموعات العلمية الأخرى على تولي المسؤولية والتحرك في هذا الاتجاه”. “هذه القضية ليست فقط حول الأرز، ولكن جميع المحاصيل الأساسية.”
يقول يونغ إنه جاهز للتحدي. “لقد بدأنا العمل على الذرة وفول الصويا هذا الأسبوع، في الواقع، والتي من المتوقع أن يتم تطويرها خلال العام أو العامين المقبلين.”
فلننتظر ثورة علمية جديدة في مجال علوم التكنولوجيا الحيوية، بعد أن أثبتت الدراسات الحديثة أن الحلم الذي سعيت من أجله في بداية مسيرتي العلمية على وشك التحقيق قريبا بإذن الله، وأن تقنية التحرير الجيني “كريسبر” قادرة على تحقيق المعجزات بأمر الله.






تعليق واحد