د.سالي فودة: إعادة تعريف الكربون.. كيف يؤثر تعديل منهجية الصين على أرقام المناخ العالمية؟

أستاذ مساعد الهندسة الحيوية- مركز البحوث الزراعية- استشاري تكنولوجيا تدوير المخلفات الزراعية

أثار تحديث منهجية المحاسبة الكربونية في الصين جدلًا واسعًا في أوساط خبراء المناخ والاستدامة ومدققي الانبعاثات حول العالم، بعد تقديرات تشير إلى “فجوة محاسبية” تصل إلى نحو 700 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا، نتيجة تعديل طريقة احتساب الانبعاثات خلال الفترة 2020–2025.

ويتمحور الجدل حول سؤال رئيسي: هل تعكس هذه الأرقام خفضًا حقيقيًا في الانبعاثات، أم أنها نتيجة تغيير في منهجية القياس فقط؟

في سياق العمل المناخي، لا تُقاس الجهود فقط بحجم الانخفاض في الانبعاثات، بل أيضًا بمدى دقة وشفافية منهجيات القياس والإفصاح، وهو ما يجعل أي تعديل في أنظمة المحاسبة الكربونية محل تدقيق عالمي.

وبحسب التحليلات المتداولة، فإن تعديل المنهجية في الصين أدى إلى خفض معدل النمو المعلن لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون من نحو 14% إلى 7% خلال الفترة المذكورة، ما فتح باب التساؤلات حول الفارق بين الواقع الفعلي والبيانات المعلنة.

خفض حقيقي أم تعديل محاسبي؟

من منظور تدقيق الاستدامة، هناك فرق جوهري بين حالتين:

أولًا: الخفض الحقيقي للانبعاثات
ويحدث عندما تنخفض الانبعاثات فعليًا نتيجة التحول إلى الطاقة المتجددة، وتحسين كفاءة الطاقة، وتطوير التكنولوجيا النظيفة، أو تطبيق تقنيات احتجاز الكربون.

ثانيًا: التعديل المحاسبي
ويحدث عندما يتم تغيير حدود القياس أو عوامل الانبعاث أو منهجية الحساب، ما يؤدي إلى اختلاف في الأرقام المعلنة دون تغير مماثل في الواقع الفعلي للانبعاثات.

هذا التمييز أساسي، لأن سياسات المناخ وأسواق الكربون وقرارات الاستثمار تعتمد بشكل مباشر على البيانات المعلنة.

لماذا تمثل الصين نقطة محورية؟

تعد الصين أكبر مصدر لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري في العالم، وبالتالي فإن أي تعديل في بياناتها أو منهجياتها ينعكس على:

وبالتالي فإن تأثير أي تغيير يتجاوز الحدود الوطنية ليصل إلى النظام المناخي العالمي بأكمله.

إشكالية قابلية المقارنة

أحد أهم مبادئ المحاسبة الكربونية هو الاتساق عبر الزمن.

فالمستثمرون والمحللون يعتمدون على إمكانية مقارنة البيانات بين السنوات والقطاعات والدول لتقييم التقدم. لكن عند تغيير المنهجيات بشكل كبير، تصبح هذه المقارنات أقل وضوحًا، ما يفتح المجال لاختلافات في تفسير النتائج.

ورغم أن تحديث المنهجيات قد يكون ضروريًا بسبب تطور البيانات وتحسن أدوات القياس، فإن الشفافية في شرح هذه التغييرات تظل عنصرًا حاسمًا.

ويُفترض أن يتضمن أي تحديث للمنهجية:

  • أسباب التغيير
  • القطاعات المتأثرة
  • تأثيره على الأرقام التاريخية والحالية
  • إعادة احتساب البيانات السابقة إن لزم
  • مدى التوافق مع المعايير الدولية

انعكاسات على المستثمرين ومدققي الاستدامة

تؤكد هذه الحالة أهمية عدم الاعتماد فقط على البيانات الوطنية الإجمالية، بل ضرورة التوسع في:

  • البيانات على مستوى المنشآت والمصانع
  • التحقق المستقل من الانبعاثات
  • مراجعة حدود الجرد الكربوني
  • تتبع التغيرات في المنهجيات
  • تعزيز الشفافية في الإفصاح المناخي

ومع تزايد ارتباط بيانات المناخ بالاستثمارات والتمويل والامتثال التنظيمي، أصبحت جودة البيانات لا تقل أهمية عن حجم الانبعاثات نفسها.

ماذا يعني ذلك للدول النامية؟

بالنسبة للدول النامية، ومنها مصر، يبرز هذا الجدل أهمية تعزيز:

  • أنظمة الجرد الوطني للانبعاثات
  • آليات MRV (الرصد والإبلاغ والتحقق)
  • قواعد بيانات عوامل الانبعاث المحلية
  • أنظمة التدقيق البيئي والكربوني
  • شهادات البصمة الكربونية
  • قدرات الحوكمة المناخية

فالدول التي تمتلك أنظمة بيانات شفافة وموثوقة ستكون أكثر قدرة على جذب التمويل الأخضر والاندماج في أسواق الكربون العالمية.

الخلاصة

في عصر الحياد الكربوني، لم يعد التنافس قائمًا فقط على من يخفض الانبعاثات أكثر، بل أيضًا على من يقيسها ويُفصح عنها بأعلى درجات الدقة والشفافية.

فالمحاسبة الكربونية لم تعد مجرد أداة تقنية، بل أصبحت عنصرًا أساسيًا في حوكمة المناخ، والتمويل المستدام، والتنافسية الاقتصادية العالمية.

ويبقى السؤال الجوهري: هل الأهم هو حجم الانبعاثات وحده، أم مصداقية الطريقة التي نقيس بها هذه الانبعاثات

Exit mobile version