يرتبط تاريخ الاستخراجية Extractivismفي أفريقيا ارتباطا وثيقا بالإرث الاستعماري، والاعتماد على تصدير السلع الأولية في مرحلة ما بعد الاستقلال، وموجات تحرير قطاع الموارد الطبيعية. وخلال هذه المراحل المختلفة، ظلّت الاقتصادات الأفريقية مندمجة هيكليًا في الاقتصاد العالمي بوصفها موردًا رئيسيًا للمواد الخام، في حين تركزت عمليات إضافة القيمة، والتطوير الصناعي، والقدرات التكنولوجية في دول الشمال العالمي.
ورغم تغيّر الجهات الفاعلة والأطر المؤسسية المنظمة لاستغلال الموارد الطبيعية عبر الزمن، فإن أنماط التبادل غير المتكافئ واستمرار السيطرة الخارجية على الموارد الطبيعية والأنظمة الاقتصادية في أفريقيا بقيت سمةً أساسية لهذه العلاقة
وفي الوقت الراهن، يشهد العالم مرحلة جديدة من الاستخراجية New Extractivism تقودها عملية التحول العالمي في قطاع الطاقة. ففي ظل شعارات إزالة الكربون وتحقيق الحياد الكربوني، تصاعد الطلب العالمي على معادن والمكونات اللازمة لتسريع انتقال الطاقة Green transition، مثل الكوبالت والليثيوم والنحاس، بوصفها عناصر أساسية في تصنيع المركبات الكهربائية، وأنظمة الطاقة المتجددة، وتقنيات تخزين الطاقة.
وعلى الرغم من تبرير هذا التوسع باعتباره ضرورة لمواجهة تغير المناخ وتسريع الانتقال إلى اقتصاد منخفض الانبعاثات الكربونية. فإنه كثيرًا ما يحجب التكاليف البيئية والاجتماعية والسياسية غير المتكافئة التي تتحملها المجتمعات المحلية في المناطق المنتجة لهذه المعادن في أفريقيا.
وبدلًا من أن يمثل هذا التحول قطيعة مع أنماط الاستخراج التقليدية، فإن ما يُعرف بـ”الاستخراج الأخضر” يهدد بإعادة إنتاج علاقات التبعية التاريخية من خلال استمرار الاستحواذ غير المتكافئ على الموارد ونقل القيمة الاقتصادية من دول الجنوب العالمي إلى الاقتصادات الصناعية في الشمال
الاستخراج الأخضر في عالم متعدد الأقطاب
تمتلك أفريقيا ما يقارب 30% من الاحتياطيات العالمية من المعادن، الأمر الذي يجعلها محورًا رئيسيًا في سلاسل الإمداد العالمية اللازمة لإنجاح التحول في قطاع الطاقة.
إلا أن تزايد الطلب العالمي على هذه الموارد لم ينعكس في صورة تحول هيكلي داخل الاقتصادات الأفريقية أو تعزيز لقدراتها الصناعية، بل أدى إلى ترسيخ دور القارة كمصدر للمواد الخام وتعميق اندماجها في سلاسل القيمة العالمية ذات الطابع الاستخراجي.
وفي هذا السياق، اشتدت المنافسة الجيوسياسية على المعادن الاستراتيجية في أفريقيا بين الصين، والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، إضافة إلى القوى الخليجية الصاعدة ورغم اختلاف المصالح الاقتصادية والجيوسياسية لهذه الأطراف، فإنها تشترك جميعًا في هدف رئيس يتمثل في تأمين وصول مستدام إلى المعادن الضرورية للتحول العالمي نحو التقنيات منخفضة الكربون
الفاعلون الخارجيون واقتصاد المعادن الاستراتيجية في أفريقيا
تُعد الصين الفاعل الأكثر حضورًا في قطاع المعادن الاستراتيجية في أفريقيا، وذلك من خلال استثماراتها الواسعة في التعدين، ومرافق المعالجة والتكرير، واتفاقيات التوريد طويلة الأجل التي تخدم سلاسل إنتاج البطاريات والمركبات الكهربائية عالميًا.
ففي جمهورية الكونغو الديمقراطية، تهيمن الشركات الصينية على نسبة كبيرة من إنتاج الكوبالت الذي يمثل مدخلًا أساسيًا لصناعة البطاريات. غير أن سلاسل التوريد هذه ترتبط بشبكات التعدين الحرفي والصغير، حيث وثقت العديد من التقارير انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، من بينها تشغيل الأطفال، وظروف العمل غير الآمنة، وغيرها من أشكال الاستغلال.
كما برزت تحديات مماثلة في زيمبابوي وناميبيا وزامبيا، حيث ارتبطت مشروعات التعدين الصينية بتدهور البيئة، واستغلال العمالة، وتهجير المجتمعات المحلية. وأبرز حادث تلوث نهر كافوي في زامبيا عام 2025، نتيجة تسرب مواد كيميائية من إحدى الشركات الصينية، حجم التحديات المرتبطة بتوسع عمليات استخراج المعادن الاستراتيجية في الدول التي تعاني من ضعف الأطر الرقابية والتنظيمية
وتتبنى كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي سياسات متقاربة لضمان أمن إمدادات المعادن الاستراتيجية. فمن خلال “قانون المواد الخام الحرجة” للاتحاد الأوروبي (CRMA)، و”قانون خفض التضخم” الأمريكي (IRA)، يسعى الطرفان إلى تقليل الاعتماد على المنافسين الجيوسياسيين، مع ضمان الوصول المستدام إلى المعادن اللازمة لصناعات الطاقة النظيفة.
إلا أن العديد من الباحثين يرون أن هذه السياسات تؤدي عمليًا إلى نقل الأعباء البيئية والاجتماعية للتحول الأخضر إلى أفريقيا، مع الإبقاء على القارة في موقع المورد الرئيس للمواد الخام، بينما تستمر عمليات التصنيع والتكرير وإضافة القيمة في الاقتصادات الصناعية المتقدمة.
ومن جانب آخر، عززت دول الخليج، وعلى رأسها دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، حضورها الاستثماري في قطاع التعدين الأفريقي في إطار استراتيجياتها الرامية إلى تنويع اقتصاداتها وتقليل الاعتماد على الهيدروكربونات.
ومن خلال صناديق الثروة السيادية والشركات المملوكة للدولة، استثمرت هذه الدول في عدد من المشروعات التعدينية الكبرى في غينيا وزامبيا ودول أفريقية أخرى.
وعلى الرغم من تقديم هذه الاستثمارات باعتبارها نموذجًا للتعاون بين دول الجنوب وشراكات من أجل التنمية المستدامة، فإنها لا تزال، وفقًا لعدد من الباحثين، تعزز نموذج التنمية القائم على تصدير المواد الخام، مع محدودية إسهامها في نقل التكنولوجيا، أو التصنيع المحلي، أو تحقيق توزيع أكثر عدالة للعوائد الاقتصادية
الوجه المظلم للتحول الأخضر ..نحو مسار بديل
يُنظر إلى التحول العالمي في مجال الطاقة على نطاق واسع باعتباره مسارًا لتحقيق التنمية المستدامة والتخفيف من آثار تغير المناخ. غير أن الطلب المتزايد على المعادن الاستراتيجية يفرض ضغوطًا استخراجية متزايدة على القارة الأفريقية.
فعلى الرغم من اختلاف المصالح الجيوسياسية لكل من الصين، والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، ودول الخليج، فإن سياساتها تلتقي عند هدف واحد يتمثل في ضمان الوصول إلى الموارد المعدنية الحيوية، بما يعزز استمرار الدور التقليدي لأفريقيا كمصدر للمواد الخام، بينما تظل الصناعات ذات القيمة المضافة والقدرات التكنولوجية متمركزة خارج القارة:
وقد أسفر هذا التوسع في استخراج المعادن الاستراتيجية بالفعل عن تحديات بيئية واجتماعية وسياسية متزايدة، من بينها تدهور النظم البيئية، واستغلال العمالة، وتهجير المجتمعات المحلية، وتصاعد المخاوف بشأن السيادة على الموارد الطبيعية.
ومن ثم، فإن نجاح التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون يتطلب بناء أطر تنظيمية أكثر قوة، وتعزيز التصنيع المحلي وإضافة القيمة، وتمكين الدول الأفريقية من قيادة سياسات إدارة مواردها الطبيعية وتطويرها الصناعي. ولا يمكن تحقيق انتقال عادل للطاقة ما لم يُعطِ الأولوية لسيادة الدول على مواردها، وتحقيق التنمية العادلة، والتحول الهيكلي للاقتصادات الأفريقية، بدلًا من الاكتفاء بتأمين سلاسل إمداد المعادن لصالح القوى الخارجية.
Share
- إرسال رابط بالبريد الإلكتروني إلى صديق (فتح في نافذة جديدة) البريد الإلكتروني
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- المشاركة على LinkedIn (فتح في نافذة جديدة) LinkedIn
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Telegram (فتح في نافذة جديدة) Telegram
- المشاركة على WhatsApp (فتح في نافذة جديدة) WhatsApp
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
- المشاركة على Reddit (فتح في نافذة جديدة) Reddit
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- المشاركة على Mastodon (فتح في نافذة جديدة) Mastodon
- المشاركة على Nextdoor (فتح في نافذة جديدة) Nextdoor
- المشاركة على Bluesky (فتح في نافذة جديدة) Bluesky
