وجهات نظر

د.رفعت جبر: «مطرقة منتصف الليل» وتحولات الشرق الأوسط.. هل تقترب لحظة الحساب؟

أستاذ ورئيس قسم التقنية الحيوية- كلية العلوم- جامعة القاهرة

تعيش منطقة الشرق الأوسط حالياً لحظة فارقة بعد إطلاق عملية «مطرقة منتصف الليل» المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل. هذا التصعيد لا يمثل مجرد جولة قتالية، بل محاولة لإعادة صياغة «جغرافيا النفوذ» في العالم وتحريك أحجار الدومينو التي تبدو نتائجها غير مضمونة للجميع.

ترامب و«المفاوض الهارب»: هل يريد إنهاء الحرب سراً؟

الحقيقة التي قد تبدو متناقضة هي أن دونالد ترامب، رغم إعطائه الضوء الأخضر للضربات، يُعرف بأنه «رئيس الصفقات» أكثر من كونه «رئيس الحروب الطويلة». كما أن صمود إيران لم يكن في الحسبان، خصوصاً بعد نجاح الضربات الأولى واغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، وطرح فكرة تغيير النظام، إلا أن هذه الفكرة واجهت صعوبات كبيرة في ظل إصرار قطاعات من المجتمع الإيراني على الرد.

ومن منظور سياسي، يدرك ترامب أن استنزاف القوة الأمريكية في حرب برية شاملة مع إيران قد يؤدي إلى تآكل صورته أمام ناخبيه، خاصة مع شعار «أمريكا أولاً»، كما قد يمنح الصين فرصة لتعزيز نفوذها العالمي.

لذلك برزت محاولات للضغط على إيران عبر أدوات غير مباشرة، من بينها دعم أطراف إقليمية أو محاولة فتح قنوات تفاوض غير معلنة عبر وسطاء دوليين.

وتشير بعض التحركات الدبلوماسية غير المعلنة، بما فيها قنوات اتصال غير مباشرة عبر سلطنة عُمان، إلى أن واشنطن قد تستخدم التصعيد العسكري كورقة ضغط لدفع طهران نحو «صفقة شاملة» تتجاوز الملف النووي لتشمل دورها الإقليمي وشبكة حلفائها. ويبدو أن الإدارة الأمريكية تسعى إلى تحقيق «نصر سياسي سريع» يحد من التهديد دون الانزلاق إلى حرب استنزاف طويلة.

صمود إيران ورفض الوساطة

تتعامل إيران مع الوضع الحالي باعتباره «دفاعاً وجودياً». فعلى الرغم من الضربات التي طالت قيادات ومنشآت حيوية، لا تزال طهران ترفض أي وساطة قد تُظهرها في موقع الطرف المستسلم.

وترى القيادة الإيرانية أن إطالة أمد الصراع قد يخلق ضغوطاً اقتصادية وسياسية على الولايات المتحدة وإسرائيل، خصوصاً إذا أدى التصعيد إلى ارتفاع أسعار النفط أو اضطراب أسواق الطاقة العالمية. كما تسعى إيران إلى تعزيز موقعها التفاوضي في أي مفاوضات مستقبلية، سواء فيما يتعلق بالعقوبات أو بملفها النووي.

وفي المقابل، يظل الداخل الإيراني عاملاً حاسماً في قدرة طهران على الصمود، حيث يرتبط استمرار هذا النهج بقدرة النظام على احتواء التوترات الداخلية والتحديات الاقتصادية.

مثلث القوى الكبرى: الصين وروسيا وكوريا الشمالية

تواجه القوى الدولية الحليفة لإيران اختباراً دقيقاً في هذه الأزمة.

الصين تميل إلى لعب دور الوسيط الحذر، إذ تسعى للحفاظ على استقرار إمدادات الطاقة وعدم الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية مع الغرب. ومع ذلك، فإنها قد تقدم دعماً تقنياً أو سياسياً غير مباشر لطهران.

أما روسيا، المنشغلة بالحرب في أوكرانيا، فترى في التصعيد بالشرق الأوسط عاملاً قد يشتت التركيز الأمريكي عنها. لكنها في الوقت نفسه تبدو حذرة من الانخراط العسكري المباشر في الصراع.

في حين تبقى كوريا الشمالية لاعباً غير متوقع، إذ قد تزيد من تجاربها الصاروخية في سياق استعراض القوة أو إرسال رسائل سياسية، دون أن يعني ذلك انخراطاً مباشراً في الحرب.

إسرائيل ومعضلة «الانتصار»

على الرغم من التفوق العسكري الواضح لإسرائيل، فإن تحقيق مكاسب ميدانية لا يعني بالضرورة تحقيق استقرار استراتيجي طويل الأمد. فالتحديات الداخلية، والضغوط الاقتصادية، وتعدد الجبهات الإقليمية قد تجعل أي انتصار عسكري محدوداً من حيث تأثيره السياسي.

كما أن استمرار الهجمات الصاروخية أو اتساع نطاق المواجهة قد يفرض ضغوطاً إضافية على الاقتصاد والمجتمع داخل إسرائيل.

دور مصر ودول الخليج والتداعيات الاقتصادية

في خضم هذا التصعيد، تسعى دول عربية رئيسية، من بينها مصر والسعودية والإمارات، إلى تبني مواقف تهدف إلى منع اتساع الصراع الإقليمي.

وتحاول هذه الدول الحفاظ على الاستقرار الإقليمي وتجنب الانجرار إلى مواجهة مفتوحة قد تهدد الأمن الاقتصادي وممرات التجارة والطاقة في المنطقة.

اقتصادياً، قد يؤدي استمرار الحرب إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط، وهو ما قد يمنح بعض الدول المنتجة مكاسب مالية مؤقتة، لكنه في المقابل قد يخلق موجة تضخم عالمية ويضغط على سلاسل الإمداد الدولية.

وبالنسبة لدول مثل مصر ودول المشرق العربي، فإن المخاطر قد تشمل اضطراب حركة التجارة البحرية وارتفاع تكاليف التأمين والشحن، ما قد يفرض تحديات اقتصادية إضافية.

رؤى مستقبلية

تشير المعطيات الحالية إلى أن المنطقة قد تواجه عدة سيناريوهات محتملة، من بينها احتمال التوصل إلى تسوية سياسية مفاجئة، أو استمرار حالة الاستنزاف لفترة أطول.

وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، تبدو الحاجة ملحة لتعزيز الاستقرار الاقتصادي الإقليمي، وتنويع الشراكات الدولية، والعمل على بناء قدرات اقتصادية قادرة على التعامل مع الصدمات العالمية.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading